ألن تعود يا أبي؟!

الكلام الأخير – زياد بن عبدالله الدريس

مئة وعشرون يوماً مضت وأنا كالطفل الذي ينتظر عودة أبيه من السفر!

أرجوكم لا تعِظوني، فأنا أعلم أن الموت حق، لكن هل تعلمون أنتم أن الحزن حقٌ أيضاً؟!
ثم لماذا تعظونني؟
فالإنسان الذي أمامكم بداخله شخصان؛ رجلٌ يعرف ما ستقولونه عن حتمية الموت، وطفلٌ لن يفهم ما ستقولونه له عن حقيقة الموت.

ستون عاماً من الصداقة بيننا يا أبي، أفلا أحتاج إلى ستين عاماً أخرى كي أسلو، لا كي أنسى!
حين كنتُ طفلاً، حملتني بين ذراعيك، من طبيب إلى آخر بين الرياض وبيروت والقاهرة ولندن، بحثاً عن علاج لرِجلِي التي آلمتني وأوجعتك!
ثم لما كبرتُ، حملتني بين كفيك، تدعو لي بين صلاةٍ وأخرى، بأن يقوّي الله رِجلي كي تحملني، أو أن يقوّي الله يدي كي تحمل «القلم»!

سكبتَ دموعك عليّ «قلقاً» جوار غرف العمليات في مستشفيات ومدن عديدة.
ثم سكبتَها «فرحاً» يوم رُزقتُ بابنتي الأولى.
ثم سكبتها «حزناً» يوم أخبرتك بأني سأنتقل للعمل في باريس.
ثم سكبتها «ابتهاجاً» يوم عدتُ للاستقرار في الرياض بعد عشر سنوات غياب.
فأي دموعٍ أسكبها على فراقك، يرحمك الله، تكافئ بعضَ البعضِ من دموعك التي أمطرتَ بها جفاف حياتي؟!

ألن تعود يا أبي؟
أمي التي «رحلتَ قبلها» تحنّ إليك، وتقول: لماذا سأل «أأرحل قبلكِ أم ترحلين …» ثم لم يجعلني أنا التي أجيب/ أستجيب؟!
وليلى ما زالت تكتب عنك أجمل التغريدات النابضة بالحب والحزن، وكأنك مِتّ أمس فقط.
وعمر يقول لي هاتفياً قبل أمس: حين رأيت الرثاء الذي كُتب عن الشيخ عبدالله والثناء الذي غُمر به تحسرت أني لم أتعرّف عليه في حياته كما ينبغي. «أنت شريكٌ في هذه الخطيئة» قال لي، وهو لا يعلم أني أنا نفسي حين رأيت ذاك الرثاء والثناء، من مخالطيك من الأصدقاء والزملاء، تحسرت أني لم أتعرف عليك كما ينبغي!

ظلّ تاريخ ٦ أكتوبر في ذاكرتي اليوم المجيد الذي كُسرت فيه شوكة الهيبة الاسرائيلية. الآن أصبح في ذاكرتي اليوم الحزين الذي كُسرت فيه شوكتي!

لن تعود يا أبي، لأنك لم تذهب. 
ما زال ذِكرك باقياً بيننا، وصيتك الحسن يغمرنا بالفخر، ولو قالوا لي: «ليس الفتى من يقول كان أبي … إن الفتى من يقول ها أنا ذا»، لقلت لهم: ها أنا ذا .. لأن عبدالله بن إدريس كان أبي.

مجلة اليمامة