المثقف الخالي من« أعراض » الثقافة !

شهــــادات – زياد الدريس

(1)
تقلّب الدكتور عبدالعزيز السبيل بين مواقع أكاديمية ومعرفية وإدارية وميدانية، وكان فيها جميعاً المثقف الخالي من أعراض الثقافة.
وما أعراض الثقافة؟
كثيرة!، منها: المزاجية، الأحادية، الشللية، الكسل والتسويف، العمق في التفكير والسطحية في التدبير!

(2)
حدثني أحد الأصدقاء يوماً، وهو الآن أستاذ دكتور في جامعة الملك عبدالعزيز، قال: “درّسني د. السبيل في الجامعة مادة النقد الحديث، وكان حازماً صارماً، ليس على الطلاب فقط، بل على نفسه في تحضير مادة المحاضرة وفي الانضباط بالمواعيد وفي التعامل المتوازن بين الجدية الموحشة والتبسط السائب”!
في أثناء عمله وكيلاً لوزارة الثقافة لم أكن بحاجة إلى شاهد خارجي(!) فقد رأيت ورأى الوسط الثقافي كيف استطاع عبدالعزيز السبيل خلق حراك ميداني غير مسبوق، بعد أن كانت وزارة الثقافة تعمل في مكان.. والمثقفون في مكان آخر.
وفي أثناء عمله مستشاراً ثقافياً لوزير التعليم تعرفت إليه أكثر فأكثر، إذ كنا نلتقي في أروقة اليونسكو ونراجع الملفات ومشاريع القرارات والمحاضر، وكنت أرى فيه دقة الملاحظة والتحليل، إذ لم يكن يقرأ بعينيه فقط!
مضت الأيام، وأصبح د. عبدالعزيز أميناً عاماً لجائزة الملك فيصل، ولم نكن نتخيل أنه سيصنع فارقاً هذه المرة، إذ ماذا يمكن لأمين جائزة أن يُحدثه غير تجهيز الجائزة للفائزين؟!
لكنه أحسن تخييب ظننا فحوّل الجائزة إلى مؤسسة ثقافية تعمل طوال العام، وليس وقت توزيع الجوائز فقط.
ذاك هو الدكتور عبدالعزيز السبيل في نسخته الوظيفية،

(3)
أما الدكتور السبيل في نسخته الثقافية فهو المثقف الذي لا يؤمن بأن الثقافة=مزاج، بل الثقافة=موقف، والثقافة ليست حالة فردانية بل حالة مجتمعية. والثقافة ليست فوتوغرافيا بل فكرغرافيا.
ولأجل ما سبق، فإن د. السبيل لا يكتب (حين يكتب!) حشواً وإسهاباً يفيض عن حاجة القارئ.
رأيت هذا، أوضح ما رأيته، حين كتب في رثاء والدي (الشاعر عبدالله بن إدريس يرحمه الله). فرغم المودة العميقة بينهما والتقدير البليغ الذي كان يبديه أبو حسان لوالدي، إلا أنه لم يكتب سواليف سردية/ مدائحية عن صديقه الكبير، بل كتب دراسة نقدية تحليلية مؤصلة لكتابات ودراسات وقصائد بن إدريس.

(4)
أما النسخة الشخصية لعبدالعزيز السبيل فهو الابن البار بوالده حتى بعد وفاته يرحمه الله، والبار بوالدته الآن ودوماً، حتى رغم سكناها في مدينة أخرى.
وهو الصديق الوفي، ذو العلاقات المستدامة، والمستشار الصادق والمؤتمن لمن استشاره في أمر عام أو خاص.
وهو الرجل الكريم المضياف، بموائده الفاخرة، والمضياف بعباراته الرقيقة العذبة.

(5)
وحتى تكتسب شهادتي هذه مصداقية ونزاهة كافية فإني سأضع هذا السؤال البديهي الخشن:
هل يخلو د. عبدالعزيز السبيل من العيوب؟!
الجواب حتماً: لا.
لكن الفارق بين عبدالعزيز السبيل وبين بقية المثقفين مثل الفارق بين الشخصية الإنجليزية والشخصية الفرنسية، في القدرة على ضبط العيوب وكبحها عند الأولين، أو إعطاء النفس هواها في إظهار أهوائها عند الآخِرين.
وهذه القدرة هي التي تصنع الفارق بين الناس عموماً، وليس بين المثقفين فقط.

مجلة اليمامة