اليوم العالمي للغة العربية

اللغة العربية.. ماذا حققنا خلال 50 عاماً من الاعتراف الدولي ؟!

(1)

في هذا اليوم (18 ديسمبر 2023) يكون قد مضى خمسون عاماً على قرار الأمم المتحدة جعل اللغة العربية لغة دولية سادسة، إلى جانب اللغات الدولية الخمس الأخرى: الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الروسية والصينية.

وهو تطوّر نوعي في تاريخ اللغة العربية، ويُحسب للآباء من الدبلوماسيين العرب في الأمم المتحدة ذلك الإنجاز، الذي كانت وما زالت تطالب به لغات أخرى كالإيطالية والهندية والفارسية.

وقد اقترحتُ في تغريدة وضعتها العام الماضي على منصة تويتر/‏ إكس بأن نجعل محور احتفالية اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر من هذا العام 2023 هو عن مناسبة مرور «نصف قرن» على اعتلاء اللغة العربية منصة اللغات الدولية رسمياً.

ما الذي تحقق من إنجاز وتقدم في المدة من 1973 حتى 2023 بشأن حضور اللغة العربية في المنصات الدولية وتمددها.. أو انكماشها؟!

من المهم التذكير بأننا نتحدث هنا عن حالة اللغة العربية (دولياً)، وليس عن حالتها محلياً أو إقليمياً فذاك شأنٌ آخر، وله أعراضه الخاصة به.

(2)

بإيجاز ووضوح، فإن حالة اللغة العربية دولياً لم تتقدم كثيراً بعد الاعتراف الدولي، بل ربما أكسبها ذلك الاعتراف الرفيع شيئاً من الثقة المخدرة، في حين كان ينبغي أن يكون نافذة نحو أفق أوسع، وباباً للولوج إلى عوالم أرحب، وطريقاً نحو المزيد من الجَدارات والمبادرات.

ساهم في هذا الانكماش تخاذل الكثير من العرب عن استخدام العربية في مداخلاتهم لدى المنظمات الدولية، بغرض إثبات إجادتهم للغة أجنبية، مهملين إثبات جودتهم العروبية.

(3)

وقد تحدثت لأكثر من مرة، وفي أكثر من منصة رسمية وغير رسمية، طوال عشر سنوات ماضية، بأن جميع اللغات الدولية لديها سلسلة معاهد لتعليم لغتها وثقافتها:

الإنجليزية: بريتيش كونسل

الفرنسية: أليانس فرانسيز

الإسبانية: معاهد سيرڤانتيس

الروسية: معاهد بوشكين

الصينية: معاهد كونفوشيوس.

إلا اللغة العربية فهي اللغة الدولية الوحيدة من بين الست دول ليس لها سلسلة معاهد موحدة!

والسبب ببساطة هو أن لكل لغة سبق ذكرها دولة تعتبر نفسها الأم الحاضنة لها وتنافح عنها.

أما اللغة العربية فلديها أكثر من 20 أُمَّاً «مزعومة»!

وبلا ريب أن الأم الشرعية والحقيقية للغة العربية هي الجزيرة العربية، وهي الآن المملكة العربية السعودية، فهي المخولة والجديرة بالقيام بهذه المهمة النوعية أكثر من غيرها.

(4)

من غير الإنصاف أن نقول بأنه لم يتحقق شيء من التقدم، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة.

فقد تأسّس في العام 2007 برنامج نوعي في منظمة اليونسكو هو: (برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية)، بمبادرة من المؤسسة الخيرية للأمير الراحل يرحمه الله، وبمباركة من حكومة بلادي رعاها الله.

تلا ذلك في العام 2012 تأسيس (احتفالية اليوم العالمي للغة العربية) التي بات يحتفل بها أهل العربية وعشاقها من أنحاء العالم في يوم 18 ديسمبر من كل عام.

وقد أكملت المملكة العربية السعودية حرصها على اللغة العربية واهتمامها بتوسيع نفوذها وانتشارها، عبر إنشاء (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية)، الذي تحوّل إلى مؤسسة دولية حقاً عبر نقله هموم اللغة العربية ورغباتها إلى داخل مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

(5)

هذه بعض الآمال التي تحققت…

لكن بقي الكثير الكثير من الآمال و«الأطماع» التي لا يستحيل تحقيقها بعون الله تعالى.

اليقظة اللغوية

الكلام الأخير – د.زياد الدريس

نفتتح بالقول إن الجهود السعودية في خدمة اللغة العربية لم تبدأ منذ عشر أو عشرين سنة، كما قد يتصور البعض. بل بدأت فعلياً منذ يوم 23 سبتمبر 1932م (1351هـ) الذي اعتمد فيه الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله اسم المملكة العربية السعودية اسماً لهذه الدولة الحديثة. 
لم تكن إضافة (العربية) إلى اسم الدولة فعلاً عشوائياً أو حشوياً، بل كان ترميزاً واضحاً إلى أن هذه الدولة التي تقوم على أرض (جزيرة العرب) منبت العروبة ومولد المعلقات ومهبط الوحي الكريم، ستكون امتداداً لهذه الأرومة العروبية العتيقة، لكن ضمن هوية دولة حديثة تجيد الجمع والتناسق بين العراقة والحداثة. واللغة العربية هي العمود الفقري لهذا التكوين المتمازج.

مرّت عقود (العولمة)، رغم الأشياء العديدة المحببة فيها، قاسيةً على اللغة العربية ومحبيها. حيث طغت اللغة الانجليزية وهيمنت، ولم يفطن كثيرون إلى خطورة ما يجري من تهميش وازدراء للغة العربية. حتى بدأت تتبلور في مطالع الألفية الجديدة ملامح ما يمكن تسميته باليقظة اللغوية.
يمكن تأريخ بدء هذه اليقظة بالعام 2006م عندما زار الأمير سلطان بن عبد العزيز مدينة باريس، واقترح إليه المندوب الدائم للسعودية لدى اليونسكو آنذاك إنشاء برنامج لدعم اللغة العربية في اليونسكو، وقد استجاب الأمير النبيل بكل أريحية كعادته يرحمه الله وتبرع لإنشاء (برنامج سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في اليونسكو) بما مجموعه 8 ملايين دولار.
ثم تعززت هذه اليقظة اللغوية بقوة عندما تأسس (مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للغة العربية) في العام 2008م بمدينة الرياض، وقام المركز بجهود محلية ودولية كبيرة في المجال نفسه.
وفي العام 2012 شكّل تأسيس (احتفالية اليوم العالمي للغة العربية) في أروقة اليونسكو، بمبادرة سعودية أيضاً، منعطفاً كبيراً في هذه اليقظة اللغوية، بحيث تجاوزت المبادرات المحلية والإقليمية إلى صنع منصة دولية يتداول فيها المهتمون كل عام شؤون وشجون اللغة العربية.
حتى جاء عام 2020م حيث تأسس (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) ليكون جداراً سميكاً تستند عليه العديد من المبادرات والبرامج التي تُصنع هنا وهناك لخدمة اللغة العربية.
وقد أصبح المجمع الآن الباب العالي لخدمة اللغة العربية في منظمات ودول عديدة، في سبيل اعتلاء اللغة العربية مكانتها التي تليق بها وبأهلها.
ومن الإنصاف القول بأن دولاً أخرى، خليجية وعربية، قد أسهمت في تعزيز هذه اليقظة اللغوية عبر مبادرات ومؤسسات وجوائز انطلقت في تلك الدول الشقيقة ونالت حظاً وافراً من النجاح والفعالية. بل ومن المفارقات المبهجة أن إسهامات في هذه اليقظة اللغوية قد جرت في دول غير عربية، وكان وقع تأثيرها على العرب لا يقل عن أثرها على محبي العربية من غير العرب.

لم تعد مناسبة (اليوم العالمي للغة العربية)، التي أكملت 10 سنوات من عمرها وتبدأ هذا العام عشريتها الثانية، مجرد احتفالية سنوية تغصّ بالمدائح أو البكائيات وأهازيج الأبيات المكرورة. بل أصبحت تشكّل التفاتة حقيقية لهويتنا اللغوية، ومساءلة عما عملته المؤسسات الحكومية والأهلية لإعزاز هذه الهوية … أو لإذلالها بتفضيل اللغات الأجنبية عليها!؟
اللغة العربية، التي لا تموت، تقترب من نهوضها المنتظر، رغم كثرة الطعنات التي تباغتها.

الذكاء الاصطناعي لا يطرق الأبواب

ما إن أعلنت منظمة اليونيسكو أن محور احتفالية اليوم العالمي للغة العربية لهذا العام 2019 هو “اللغة العربية والذكاء الاصطناعي”حتى أصبح القوم العرب في حيص بيص!
إذ لم نحسم مشكلاتنا التقليدية في مجال التنافسية اللغوية حتى الآن، فكيف بنا ونحن ذاهبون بأعبائنا المؤجلة إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي؟!
لغتنا العربية تمر منذ عقود بصدمات متوالية، لا تكاد “تبدأ” بالتعافي من واحدة حتى تأتيها الصدمة الجديدة بمفعول أشد وأنكى.
فمأزقنا في التحديث اللغوي المعاصر بدأ مع ظهور الكمبيوتر ووصوله إلى العالم العربي بلغة مخترعيه. وللإنصاف، يجب ألاَّ ننسى الجهود الفريدة التي بذلها الكويتي محمد الشارخ لتعريب الكمبيوتر حينذاك من خلال (حاسوب صخر).


ثم ظهرت ثورة الإنترنت، وكانت بالفعل ثورة ضد اللغات الكسولة أو الجامدة. وقد تسابقت المؤسسات الثقافية والبرمجية العربية لتعزيز المحتوى العربي داخل الشبكة العنكبوتية، لكن التسابق لم يقطع مسافة طويلة لأن المتسابقين بطيئون وأرض السباق وعرة وغير مهيأة.
في أثناء مجريات السباق، الذي لم يذهب بعيداً حتى اليوم، فوجئ المتسابقون بظهور موجات الذكاء الاصطناعي التي ستغير مجرى التاريخ، وليس مجريات السباق فحسب!
الذكاء الاصطناعي، في أبسط تعريفاته هو سلوك وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية فتجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها. من أهم هذه الخاصيات: القدرة على التعلم والاستنتاج وردّ الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة.


لا يمكن إنكار المساعي التي تمت وتتم لخلق برمجيات لرقمنة اللغة العربية، لكن مشكلتها أنها محدودة، ومشكلتها الأكبر أن استخدامها محدود. والمشكلة الثانية تسبب إحباطاً لجهود الذين يسعون لحل المشكلة الأولى.
أما العائق الأكبر في تطوير رقمنة اللغة العربية فهو استمرار البعض في غباء الاعتقاد بهامشية الاستعاضة باللغة العربية عن اللغة الأجنبية في استخدامات الحاسوب، وأن تقدّم اللغة القومية أو تأخرهـا لا علاقة له بالنهضة أو التقدُّم العلمي. وينسى، أو يتناسى هؤلاء، أن التاريخ القديم والحديث لم يسجل حالة واحدة لأمة أو دولة تقدَّمت بغير لغتها القومية أو الوطنية.
من خلال اللغة يتم إنتاج المعرفة التي تحقق التقدم فينتشر الازدهار. وبغير هذه المعادلة التراتبية يصاب المنتج النهائي بخلل، إما في العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع المستفيد، أو في استمرارية التقدّم واستدامة التنمية.


اللغة الإنجليزية سيدة لغات هذا العصر، لكنها لا تستطيع أن تكون، ولا ينبغي لها أن تكون، اللغة الوحيدة لهذا العالم. وإذا كانت اللغة العربية هي سيدة لغات العصر الأندلسي، ثم أصبحت اللغة الإسبانية هي سيدة لغات عصر النفوذ الإسباني، وهكذا البرتغالي والهولندي قبلهما، فإن اللغة الصينية الآن تهدِّد الإنجليزية بسبب النفوذ الاقتصادي والصناعي، لا العسكري الاستعماري، ما يعني بأن قواعد اللعبة قد تغيرت. لكن لعبة التفوق اللغوي ستتغير أكثر بعد انخراطنا التام في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي لن أقول إنه يطرق الأبواب، فهو يقتلع الأبواب أصلاً!


من المنتظر أن تحقق تطبيقـات الذكـاء الاصطناعي أحد أهم أهـداف اليونيسكـو التي تسعى إليـه المنظمة الدولية منذ عقود، وهو مهمة ترسيخ “التنوُّع اللغوي” في سبيل الحفاظ على التنوُّع الثقافي للبشرية. ربما كان هذا منفذاً مناسباً لتعزيز الهوية اللغوية للشباب العربي، لكنه لن يغني بحال عن أهمية مواصلة جهود الرقمنة.
الاعتزاز باللغة والهوية لا يكفي وحده لتحقيق التقدُّم، لكنه يفتح الباب إليه. 

مجلة القافلة