مقالات

المثقف الخالي من« أعراض » الثقافة !

شهــــادات – زياد الدريس

(1)
تقلّب الدكتور عبدالعزيز السبيل بين مواقع أكاديمية ومعرفية وإدارية وميدانية، وكان فيها جميعاً المثقف الخالي من أعراض الثقافة.
وما أعراض الثقافة؟
كثيرة!، منها: المزاجية، الأحادية، الشللية، الكسل والتسويف، العمق في التفكير والسطحية في التدبير!

(2)
حدثني أحد الأصدقاء يوماً، وهو الآن أستاذ دكتور في جامعة الملك عبدالعزيز، قال: “درّسني د. السبيل في الجامعة مادة النقد الحديث، وكان حازماً صارماً، ليس على الطلاب فقط، بل على نفسه في تحضير مادة المحاضرة وفي الانضباط بالمواعيد وفي التعامل المتوازن بين الجدية الموحشة والتبسط السائب”!
في أثناء عمله وكيلاً لوزارة الثقافة لم أكن بحاجة إلى شاهد خارجي(!) فقد رأيت ورأى الوسط الثقافي كيف استطاع عبدالعزيز السبيل خلق حراك ميداني غير مسبوق، بعد أن كانت وزارة الثقافة تعمل في مكان.. والمثقفون في مكان آخر.
وفي أثناء عمله مستشاراً ثقافياً لوزير التعليم تعرفت إليه أكثر فأكثر، إذ كنا نلتقي في أروقة اليونسكو ونراجع الملفات ومشاريع القرارات والمحاضر، وكنت أرى فيه دقة الملاحظة والتحليل، إذ لم يكن يقرأ بعينيه فقط!
مضت الأيام، وأصبح د. عبدالعزيز أميناً عاماً لجائزة الملك فيصل، ولم نكن نتخيل أنه سيصنع فارقاً هذه المرة، إذ ماذا يمكن لأمين جائزة أن يُحدثه غير تجهيز الجائزة للفائزين؟!
لكنه أحسن تخييب ظننا فحوّل الجائزة إلى مؤسسة ثقافية تعمل طوال العام، وليس وقت توزيع الجوائز فقط.
ذاك هو الدكتور عبدالعزيز السبيل في نسخته الوظيفية،

(3)
أما الدكتور السبيل في نسخته الثقافية فهو المثقف الذي لا يؤمن بأن الثقافة=مزاج، بل الثقافة=موقف، والثقافة ليست حالة فردانية بل حالة مجتمعية. والثقافة ليست فوتوغرافيا بل فكرغرافيا.
ولأجل ما سبق، فإن د. السبيل لا يكتب (حين يكتب!) حشواً وإسهاباً يفيض عن حاجة القارئ.
رأيت هذا، أوضح ما رأيته، حين كتب في رثاء والدي (الشاعر عبدالله بن إدريس يرحمه الله). فرغم المودة العميقة بينهما والتقدير البليغ الذي كان يبديه أبو حسان لوالدي، إلا أنه لم يكتب سواليف سردية/ مدائحية عن صديقه الكبير، بل كتب دراسة نقدية تحليلية مؤصلة لكتابات ودراسات وقصائد بن إدريس.

(4)
أما النسخة الشخصية لعبدالعزيز السبيل فهو الابن البار بوالده حتى بعد وفاته يرحمه الله، والبار بوالدته الآن ودوماً، حتى رغم سكناها في مدينة أخرى.
وهو الصديق الوفي، ذو العلاقات المستدامة، والمستشار الصادق والمؤتمن لمن استشاره في أمر عام أو خاص.
وهو الرجل الكريم المضياف، بموائده الفاخرة، والمضياف بعباراته الرقيقة العذبة.

(5)
وحتى تكتسب شهادتي هذه مصداقية ونزاهة كافية فإني سأضع هذا السؤال البديهي الخشن:
هل يخلو د. عبدالعزيز السبيل من العيوب؟!
الجواب حتماً: لا.
لكن الفارق بين عبدالعزيز السبيل وبين بقية المثقفين مثل الفارق بين الشخصية الإنجليزية والشخصية الفرنسية، في القدرة على ضبط العيوب وكبحها عند الأولين، أو إعطاء النفس هواها في إظهار أهوائها عند الآخِرين.
وهذه القدرة هي التي تصنع الفارق بين الناس عموماً، وليس بين المثقفين فقط.

مجلة اليمامة

اللغة العربية.. ماذا حققنا خلال 50 عاماً من الاعتراف الدولي ؟!

(1)

في هذا اليوم (18 ديسمبر 2023) يكون قد مضى خمسون عاماً على قرار الأمم المتحدة جعل اللغة العربية لغة دولية سادسة، إلى جانب اللغات الدولية الخمس الأخرى: الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الروسية والصينية.

وهو تطوّر نوعي في تاريخ اللغة العربية، ويُحسب للآباء من الدبلوماسيين العرب في الأمم المتحدة ذلك الإنجاز، الذي كانت وما زالت تطالب به لغات أخرى كالإيطالية والهندية والفارسية.

وقد اقترحتُ في تغريدة وضعتها العام الماضي على منصة تويتر/‏ إكس بأن نجعل محور احتفالية اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر من هذا العام 2023 هو عن مناسبة مرور «نصف قرن» على اعتلاء اللغة العربية منصة اللغات الدولية رسمياً.

ما الذي تحقق من إنجاز وتقدم في المدة من 1973 حتى 2023 بشأن حضور اللغة العربية في المنصات الدولية وتمددها.. أو انكماشها؟!

من المهم التذكير بأننا نتحدث هنا عن حالة اللغة العربية (دولياً)، وليس عن حالتها محلياً أو إقليمياً فذاك شأنٌ آخر، وله أعراضه الخاصة به.

(2)

بإيجاز ووضوح، فإن حالة اللغة العربية دولياً لم تتقدم كثيراً بعد الاعتراف الدولي، بل ربما أكسبها ذلك الاعتراف الرفيع شيئاً من الثقة المخدرة، في حين كان ينبغي أن يكون نافذة نحو أفق أوسع، وباباً للولوج إلى عوالم أرحب، وطريقاً نحو المزيد من الجَدارات والمبادرات.

ساهم في هذا الانكماش تخاذل الكثير من العرب عن استخدام العربية في مداخلاتهم لدى المنظمات الدولية، بغرض إثبات إجادتهم للغة أجنبية، مهملين إثبات جودتهم العروبية.

(3)

وقد تحدثت لأكثر من مرة، وفي أكثر من منصة رسمية وغير رسمية، طوال عشر سنوات ماضية، بأن جميع اللغات الدولية لديها سلسلة معاهد لتعليم لغتها وثقافتها:

الإنجليزية: بريتيش كونسل

الفرنسية: أليانس فرانسيز

الإسبانية: معاهد سيرڤانتيس

الروسية: معاهد بوشكين

الصينية: معاهد كونفوشيوس.

إلا اللغة العربية فهي اللغة الدولية الوحيدة من بين الست دول ليس لها سلسلة معاهد موحدة!

والسبب ببساطة هو أن لكل لغة سبق ذكرها دولة تعتبر نفسها الأم الحاضنة لها وتنافح عنها.

أما اللغة العربية فلديها أكثر من 20 أُمَّاً «مزعومة»!

وبلا ريب أن الأم الشرعية والحقيقية للغة العربية هي الجزيرة العربية، وهي الآن المملكة العربية السعودية، فهي المخولة والجديرة بالقيام بهذه المهمة النوعية أكثر من غيرها.

(4)

من غير الإنصاف أن نقول بأنه لم يتحقق شيء من التقدم، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة.

فقد تأسّس في العام 2007 برنامج نوعي في منظمة اليونسكو هو: (برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية)، بمبادرة من المؤسسة الخيرية للأمير الراحل يرحمه الله، وبمباركة من حكومة بلادي رعاها الله.

تلا ذلك في العام 2012 تأسيس (احتفالية اليوم العالمي للغة العربية) التي بات يحتفل بها أهل العربية وعشاقها من أنحاء العالم في يوم 18 ديسمبر من كل عام.

وقد أكملت المملكة العربية السعودية حرصها على اللغة العربية واهتمامها بتوسيع نفوذها وانتشارها، عبر إنشاء (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية)، الذي تحوّل إلى مؤسسة دولية حقاً عبر نقله هموم اللغة العربية ورغباتها إلى داخل مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

(5)

هذه بعض الآمال التي تحققت…

لكن بقي الكثير الكثير من الآمال و«الأطماع» التي لا يستحيل تحقيقها بعون الله تعالى.

ملكة جمال عسير

يخطئ من يظن بأن ميزة منطقة عسير هي مناخها الـ«بارد ممطر صيفاً» فقط.

يهيمن هذا الامتياز على ذهنية إنسان الجزيرة العربية حين يتلظى بحرارة الصيف اللاهب، فيتذكر بأن ثمة (برّادة) في جنوب غرب هذا (الفرن) القائظ!

في عسير أشياء أخرى عديدة جاذبة، غير البراد والمطر، ففيها: التاريخ والجغرافيا والآثار والإنسان.

في سراة عبيدة رأيت (قرية آل خلف) الأثرية التي تحكي صمود أهلها أمام الغزو التركي في قصص بطولية تشبه الخيال.

وفي أحد رفيدة زرت مركز آل زلفة الثقافي والحضاري الذي شيده الخبير الدكتور محمد آل زلفة وأثراه من وقته وماله ومقتنياته ما جعله وجهة لزائري المنطقة.

وفي أبها، درة عسير وواسطة عقدها، ستكتشف عناد (قرية النُصْب) التي قاومت التمدد العمراني، وبقيت في وسط أبها كأنها (معلبة) مئات السنين ثم أُخرجت من علبتها الآن بعد أن جاءها الوعد بالصون والترميم قريباً كما يفيد راعيها الدكتور عبدالرحمن آل مفرح.

وليس بعيداً عن أبها، يمكنك التعرف على قرية طبب التاريخية حيث ستجد ملامح راسخة من إسهام الإنسان العسيري في توحيد هذه البلاد المباركة عبر الإسناد (المتحمي) للملك عبدالعزيز طيب الله ثراه.

أما قرية رجال ألمع الشهيرة فلن تحتاج إلى أحد كي يفطّنك إلى زيارتها فهي تفرض نفسها عبر صيتها الذائع معمارياً، وأهلها الموهوبين شعراً وروايةً وغناءً ورقصاً ورسماً ونقشاً.

وفي النماص حيث القمم العالية والسحاب الهابط على رؤوس المشاة، ستنشغل عن البحث عن الآثار والتاريخ بمطاردة الضباب الذي ستجده يمشي بجوار الناس في (ممشى الضباب) وقد تحول إلى كائن أرضي لا سماوي علوي!

في مدينة سبت العلايا من (بلقرن) يجب أن تتريث وتتوقف كثيراً، ليس فقط لأن المدينة كبيرة أو لأن قريتها التاريخية زاخرة بالمعالم الصامدة، ولكن لأنك حتماً ستتذكر صديقاً أو زميلاً (قرنياً) يعمل في القاهرة أو باريس أو طوكيو تتصل به لتقول إنك في ديرة أهله، فالقرنيون جُبلوا على النجاح والتميز ثم الانتشار.

بقي أن أختم جولتي هذه بالعودة قليلاً بغرض الاستقرار بين أحضان (تنومة).. «ملكة جمال عسير».

وللذين يسألونني لماذا جعلتها ملكة جمال المنطقة، فإنني لا أملك جواباً واضحاً، فكثيرٌ من الجمال لا يمكن تبريره أو تفسيره، تماماً مثل ما يجري في مسابقات اختيار ملكات الجمال!

في تنومة المناخ المعتدل الجميل، ولكنه كذلك في بقية أنحاء عسير.

في تنومة الإنسان الشهم الكريم، ولكنهم كذلك في بقية أنحاء عسير. وإن تزينت تنومة بوجود العم دحدوح (فايز بن عبدالله الشهري) الذي اشتهر بخيمته وبيته ومتحفه التاريخي، وضيافته الكريمة لزوار تنومة بشعبياته من الطقوس والأطباق والحكايات والأهازيج.

في تنومة العراقة والتاريخ وآثار مقاومة أبطال بني شهر للغزاة الأتراك، ولكن هذا التاريخ البطولي موجود أيضاً في بقية أنحاء عسير.

حسناً، دعوني أُجرِ محاولة أخيرة لتبرير اختيار ملكة الجمال:

تنبسط تنومة بين مجموعة من الجبال التي ليست كسائر الجبال، إذ يبدو كل واحد منها كأنه لوحة فنية، بل أربع لوحات فنية، فلكل وجهة من الجبل تكوينٌ هندسي تكعيبي متفرد، ما يجعلك تُمضي أياماً في تنومة وأنت تشعر بأنك ما زلت ترى فيها جبالاً جديدة تولد كل يوم.

وجدتها.. وجدتها!

«انعدام الجاذبية» كان في الأرض.. وليس في الفضاء!

المظهر الجديد المتنامي لوطني أشعل في الحنين لتخصصي القديم!

في عام ١٤٠٦هـ/١٩٨٦م تخرجت في كلية العلوم بجامعة الملك سعود. حينذاك كانت الأمنيات الفتيانية محصورة في أن تكون: طبيباً أو مهندساً أو طياراً.

فهمنا من السياق في الثانوية أن: «المستقبل للعلمي»، ثم علمنا بعد التخرج من الجامعة أن خريج (العلوم) ليس له مستقبل!

«ماذا نفعل بخريج الكيمياء أو الأحياء أو الفيزياء أو الجيولوجيا أو الرياضيات أو الفلك؟»!

حتى حقل التدريس لم يقبلهم، فهو مستغنٍ عنهم بخريجي كلية التربية.

قلنا لهم: وأين الذي كنتم ترددونه في برامج التلفزيون المتحضرة، وخطابات المسؤولين المستنيرة بأن المستقبل للعلمي، وبأننا يجب أن نقنع شبابنا بالاتجاه إلى التخصصات العلمية لأنها هي قاعدة الانطلاق إلى المستقبل؟!

قالوا لنا، أو هكذا استوحينا من صمتهم، أننا في الحقيقة استعجلنا في ركوب «قاعدة الانطلاق نحو المستقبل»!

(٢)

اليوم، وبعد مضي ٣٥ عاماً، بدأت أشعر بأننا فعلاً استعجلنا، وبأن موعد ركوب قاعدة الانطلاق نحو المستقبل حان اليوم.

فطلابنا الموهوبون والمتفوقون في (العلوم) حققوا العام الماضي ٢٢ ميدالية دولية في مسابقة العلوم والابتكار بمعرض (آيسف).

والذين ظنوا بأنها بيضة ديك فوجئوا هذا العام بأن فتياننا وفتياتنا، من ثمار (موهبة)، تخطوا نجاحهم السابق إلى نجاح أكبر بتحقيق ٢٧ ميدالية عالمية من بين ١٨٠٠ موهوب من ٧٠ دولة. وكانت الجائزة الأولى على مستوى العالم من نصيب السعودية في مجال (الكيمياء).

ثم بعد ذلك الانتصار (العلمي/العالمي) بأيام قليلة انطلق رائدا فضاء سعوديان ليكملا ما بدأه الأمير سلطان بن سلمان (أول رائد فضاء عربي مسلم) عام ١٩٨٥ في رحلته الخالدة في وجداننا حتى اليوم.

لم يكن الخبر أن يكون (الطيار) علي القرني رائد فضاء، ولكن أن تكون (أخصائية الأحياء) ريانة برناوي رائدة فضاء.

خريجو العلوم الذين كانوا لا يجدون لهم مكانًا في الأرض، الآن يجدون لهم مكاناً في السماء!

الموهوبون ورواد الفضاء يُعلنون، من على منصات التتويج ومنصات الانطلاق، بأصوات عالية إلى شباب اليوم: عودوا إلى المعامل، فالمستقبل للعلمي.. المستقبل للعلمي.

(٣)

يجدر بي في هذا السياق لفت الانتباه إلى أمرين:

الأول: أن هذه المدائحية للتخصصات العلمية في الجامعات لتحقيق النهضة المستقبلية، لا تعني أبداً التقليل من أهمية التخصصات الإنسانية (ولا أقول الأدبية) للنهوض. وأخص بالذكر مجالين بالغي الأهمية هما اللذان نهضت على أكتافهما أوروبا، فخرجت من عصور الظلام إلى عصر الأنوار:

  • علم الاجتماع: الذي يحلل مكونات المجتمع وعناصر القوة والضعف فيه، وسبل تحويل الطاقة الساكنة فيه إلى طاقة متحركة، مع اختلاق آليات تحقيق الأمن المجتمعي.
  • وعلم الإدارة الذي ينتظم السكون الروحاني والحراك الإنساني والابتكار العلمي في خيط رفيع، يسير بهدوء حتى لا ينحرف عن مساره، وبصلابة حتى لا ينقطع.

الأمر الثاني، وهو شأنٌ خاص بي لكنه قد يُحدث لَبساً عند الغير: أني لست نادماً على تغيير تخصصي ومجال عملي، فقد استفدت من دراستي العلمية أولاً تنمية التفكير العقلي/ الواقعي، ثم استفدت من دراستي الإنسانية تالياً تنمية التفكير الوجداني/ الانطباعي.

جريدة عكاظ

«العيد»المنوّم في المستشفى!

ليس أحدٌ أجدر مني اليوم ببيت المتنبي البئيس، الذي أصبح أيقونة المتشائمين والنمطيين في كل عيد!
فعيدنا أمس مرّ لأول مرة من دون أن يكون (أبو نايف) معنا، (شفاه الله وألبسه لباس العافية والسعادة).
وأبونايف (عبدالله بن زامل الدريس) هو التالي: ابن خالي، بحكم أن والده يرحمه الله شقيق والدتي يحفظها الله، وابن عمي بحكم أن والده ابن عم والدي يرحمه الله. وقدوتي الدراسية بحكم أني درست في كلية العلوم التي تخرج هو قبلي فيها، وزميلي المهني بحكم أني عملت في المختبرات مثله لمدة وجيزة بعد أن أصبح خبيراً ووكيلاً لوزارة الصحة فيها. وهو صديقي رغم فارق السن، وقبلها كان صديقاً لإخوتي الكبار، ثم اكتشفت بعد سنوات أنه صديق لوالدي وليس لإخوتي فقط، ولديهم مواقف (مثل: قانون الملح في الشاهي!) وحكايات مشتركة عديدة صُنعت في الرحلات العائلية المبكرة إلى بيروت والقاهرة، وكان هو ضيف عمته وزوجها وأبنائهم في تلك الرحلات أواخر الستينيات. ثم لم يعد أبونايف صديقي فقط، بل وصديق كثير من أصدقائي وأنسابي ومعارفي. ثم أصبح أيضاً صديقاً لابني غسان ولأبناء إخوتي جميعا، وهذا نوع فريد من الصداقة مع الفتيان لا يجيده إلا «الكبار».
هل يكفي هذا التعريف (الموجز) لتعلموا مكانة أبي نايف في قلبي؟!
حسناً، هل يصلح العيد بلا حلاوة العيد!
وهل يصلح العيد بلا أبي نايف، الذي يرقد في المستشفى، وقد علمتُ بتفاصيل (وعكته) ليلة العيد!!
يتميز أبو نايف بخصلة قلّما توجد عند الناس؛ فهو شديد التمسك بواجباته الدينية، فهو مثلاً رغم صراعه الطويل مع مرض السكري إلا أنه لم يسمح له بارتخاء صيامه، ولكنه أيضاً شديد التمسك بمباهج الحياة وملامح الفرح والدعابة، فهو يُضحكنا إذا ابتهج ب»رقصة البجع» التي يؤديها بطريقته الخاصة، وبعشقه للمطر والحمص والكريمة والشاهي والكشتات والكافيهات.
ولذا فأنا متأكد أنه بعون الله سيتغلب على المرض بقوتيه، الروحيه والحيوية، اللتين يتفوق بهما على خصمه.
وأنه سيعوضني ويعوّض أحبابه الكثر عن يوم عيد أمس بيوم شفائه الذي سيكون هو يوم العيد البديل.
يا رب، الطف به .. وبنا.

اليقظة اللغوية

الكلام الأخير – د.زياد الدريس

نفتتح بالقول إن الجهود السعودية في خدمة اللغة العربية لم تبدأ منذ عشر أو عشرين سنة، كما قد يتصور البعض. بل بدأت فعلياً منذ يوم 23 سبتمبر 1932م (1351هـ) الذي اعتمد فيه الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله اسم المملكة العربية السعودية اسماً لهذه الدولة الحديثة. 
لم تكن إضافة (العربية) إلى اسم الدولة فعلاً عشوائياً أو حشوياً، بل كان ترميزاً واضحاً إلى أن هذه الدولة التي تقوم على أرض (جزيرة العرب) منبت العروبة ومولد المعلقات ومهبط الوحي الكريم، ستكون امتداداً لهذه الأرومة العروبية العتيقة، لكن ضمن هوية دولة حديثة تجيد الجمع والتناسق بين العراقة والحداثة. واللغة العربية هي العمود الفقري لهذا التكوين المتمازج.

مرّت عقود (العولمة)، رغم الأشياء العديدة المحببة فيها، قاسيةً على اللغة العربية ومحبيها. حيث طغت اللغة الانجليزية وهيمنت، ولم يفطن كثيرون إلى خطورة ما يجري من تهميش وازدراء للغة العربية. حتى بدأت تتبلور في مطالع الألفية الجديدة ملامح ما يمكن تسميته باليقظة اللغوية.
يمكن تأريخ بدء هذه اليقظة بالعام 2006م عندما زار الأمير سلطان بن عبد العزيز مدينة باريس، واقترح إليه المندوب الدائم للسعودية لدى اليونسكو آنذاك إنشاء برنامج لدعم اللغة العربية في اليونسكو، وقد استجاب الأمير النبيل بكل أريحية كعادته يرحمه الله وتبرع لإنشاء (برنامج سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في اليونسكو) بما مجموعه 8 ملايين دولار.
ثم تعززت هذه اليقظة اللغوية بقوة عندما تأسس (مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للغة العربية) في العام 2008م بمدينة الرياض، وقام المركز بجهود محلية ودولية كبيرة في المجال نفسه.
وفي العام 2012 شكّل تأسيس (احتفالية اليوم العالمي للغة العربية) في أروقة اليونسكو، بمبادرة سعودية أيضاً، منعطفاً كبيراً في هذه اليقظة اللغوية، بحيث تجاوزت المبادرات المحلية والإقليمية إلى صنع منصة دولية يتداول فيها المهتمون كل عام شؤون وشجون اللغة العربية.
حتى جاء عام 2020م حيث تأسس (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) ليكون جداراً سميكاً تستند عليه العديد من المبادرات والبرامج التي تُصنع هنا وهناك لخدمة اللغة العربية.
وقد أصبح المجمع الآن الباب العالي لخدمة اللغة العربية في منظمات ودول عديدة، في سبيل اعتلاء اللغة العربية مكانتها التي تليق بها وبأهلها.
ومن الإنصاف القول بأن دولاً أخرى، خليجية وعربية، قد أسهمت في تعزيز هذه اليقظة اللغوية عبر مبادرات ومؤسسات وجوائز انطلقت في تلك الدول الشقيقة ونالت حظاً وافراً من النجاح والفعالية. بل ومن المفارقات المبهجة أن إسهامات في هذه اليقظة اللغوية قد جرت في دول غير عربية، وكان وقع تأثيرها على العرب لا يقل عن أثرها على محبي العربية من غير العرب.

لم تعد مناسبة (اليوم العالمي للغة العربية)، التي أكملت 10 سنوات من عمرها وتبدأ هذا العام عشريتها الثانية، مجرد احتفالية سنوية تغصّ بالمدائح أو البكائيات وأهازيج الأبيات المكرورة. بل أصبحت تشكّل التفاتة حقيقية لهويتنا اللغوية، ومساءلة عما عملته المؤسسات الحكومية والأهلية لإعزاز هذه الهوية … أو لإذلالها بتفضيل اللغات الأجنبية عليها!؟
اللغة العربية، التي لا تموت، تقترب من نهوضها المنتظر، رغم كثرة الطعنات التي تباغتها.

جميل الحجيلان، مئة عام من … الانفتاح!

تفيدنا قراءة السير الذاتية في معرفة المواقف التي وقعت خلال حياة الكاتب، سواءً كانت من لدنه أو من لدن المحيط الذي عاش فيه، أفراداً أو مؤسسات، مجتمعات أو دول.

يحدث هذا في أي سيرة ذاتية، فكيف إذا كانت هذه السيرة لرجل دولة من طراز رفيع ودبلوماسي مرموق، وخبير خاض غمار العمل الحكومي لأكثر من 70 عاماً، وما زال على الرغم من قربه من الـ 100 عام، يعطي من خبراته وحكمته لمن أراد إليها سبيلاً.

أكتب هذه الكلمات وأنا أقلّب بين يدي، بمنتهى الإمتاع والمؤانسة، مسودة مذكرات معالي الشيخ جميل الحجيلان، التي شرّفني بالاطلاع عليها وهي ما زالت “تتزيّن” استعداداً للخروج إلى الناس المتشوّقين لظهورها.

جميل الحجيلان مع الشاه محمد رضا بهلوي في طهران (أرشيف المجلة العربية)

لا أبالغ إذا قلت بأن السيرة الذاتية المرتقبة للشيخ جميل الحجيلان، ليست سيرة شخص ولا سيرة جيل، بل سيرة دولة [السعودية] عاصرها هذا الإنسان منذ تأسيسها على يد الملك الراحل عبد العزيز وحتى ما وصلت إليه اليوم على يد الملك سلمان. ماذا نتوقع من رجل عايش وتعامل مع سبعة ملوك غير أن يكون زاخر التجربة، ثريّ الذكريات والمواقف

حياة بطل مذكراتنا ليست 100 عام من العزلة، بل 100 عام من الانفتاح؛ الانفتاح على مجموعة متنوعة من الثقافات واللغات والمجتمعات والأيديولوجيات والسياسات، التي شكّلت بمصهورها شخصية جميل الحجيلان.

لن أُحرق عليكم متعة قراءة المذكرات عند صدورها قريباً، كما أتطلّع. لكني سأكشف عن تفاصيل موقف واحد، لا أدري إن كان يصح أن أسميه واحداً أو موحّداً، ذلك هو الموقف السعودي من الأطماع العراقية في الكويت.

قد يظن كثير من أبناء جيلي أن هذه الأطماع العراقية بدأت مع غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وأن الموقف السعودي الصارم ضد العبث بأمن جارته كان قد ظهر حينذاك. بالطبع من السهولة البحث في محرك “غوغل” أو “ويكيبيديا” عن السوابق العراقية في هذا الشأن، لكنك قد لا تجد الآن الشخص الذي يروي لك الحكاية عن قرب، كما يفعل الحجيلان الذي كان أول سفير سعودي لدى الكويت، بل أول سفير ودبلوماسي يقدّم أوراق اعتماده لأمير الكويت بعد أن استقلت عن بريطانيا في 19 يونيو (حزيران) 1961. ولكن ما كادت الكويت وأهلها يكملون أفراحهم واحتفالاتهم بالاستقلال إلا وأعلن رئيس الحكومة العراقية عبد الكريم قاسم، في مؤتمر صحافي يوم 25 يونيو، “رفضه لاستقلال الكويت، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من العراق”. واقتباساتي بين معكوفتين ستكون كلها من مسودة مذكرات الحجيلان.

جميل الحجيلان مع ابنه عماد (أرشيف المجلة العربية)

“كانت المملكة العربية السعودية أول دولة عربية أنكرت على الحكم في العراق هذا الادعاء الأخرق”، وقد عبّرتْ فوراً عن موقفها ببرقية أرسلها الملك سعود إلى الشيخ عبدالله السالم، جاء فيها بمنتهى الوضوح: “أما نحن فمعكم في السراء والضراء، وسوف نكون أوفياء في ما تعاهدنا عليه، ونحن على أتم الاستعداد لمواجهة كل خطر تتعرض له الكويت الشقيقة”. لم يتوقف الملك سعود عند هذه البرقية التطمينية لأمير الكويت، بل أرسل برقية في غاية الوضوح إلى الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم جاء فيها: “وفضلاً عن أن الكويت بلد عربي نكنّ له نفس شعور المحبة والإخاء الذي نشعر به نحو البلاد العربية الأخرى، فإن في أعناقنا عهداً مقطوعاً للكويت في أن نهرع لنجدته إذا تعرض لأي خطر”.

ولم يكتفِ الملك سعود بتحذير الظالم وتطمين المظلوم، وهو السقف الأعلى المتوقع في التعبير عن الموقف السياسي والمزاج الدبلوماسي، بل عندما شعر بتراخي موقف زعيم عربي مؤثر في تلك الحقبة، وهو الرئيس المصري جمال عبد الناصر، من التهديد العراقي للكويت، أرسل إليه برقية واضحة على الرغم من العلاقة الوطيدة بينهما، أشار فيها إلى البيان الذي أصدره عن الحدث، وفيه: “يجب أن يكون معلوماً لدى الجميع أن الكويت والسعودية بلد واحد، وما يمس الكويت يمس السعودية، وما يمس السعودية يمس الكويت، وقد أحببت إحاطتكم علماً بذلك”.

وماذا بعد؟ هل من مزيد يمكن أن تفعله السعودية أبلغ من هذه التحركات الدبلوماسية والبيانات السعودية؟!

نعم، يوجد المزيد على البرقيات المتبادلة، التي قد تظن الأطراف المعنية أنها مجرد مجاملة دبلوماسية لرفع الحرج. يقول الحجيلان، “وتحسباً لأي عدوان عسكري مفاجئ من العراق على الكويت، بادر جلالة الملك سعود بإرسال وفد عسكري مكون من اللواء إبراهيم الطاسان والعقيد محمد الطيب التونسي والعقيد علي قباني للاجتماع بسمو أمير الكويت والبحث في ترتيبات قدوم القوات السعودية دفاعاً عن الكويت، وقد وصلت تلك القوات يوم 29 يونيو 1961 وأُرسلت إلى الحدود مع العراق بعد ثلاثة أيام من إعلان العراق رفضه استقلال الكويت”.

يتوقف الحجيلان هنا ليستذكر نفسه وسط تلك المعمعة التي انغمس بها وهو حينذاك ما زال في الثلاثينات من عمره فيقول، “لقد عايشت هذه الأزمة منذ بدايتها حتى نهايتها. فقد كنت عندما أعلنت الكويت استقلالها مديراً للمديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر في المملكة العربية السعودية”، وهي نواة لوزارة الإعلام السعودية التي تأسست لاحقاً في مارس (آذار) 1963 وعُيّن الحجيلان أول وزير لها. وفي خضم الأزمة، صدر الأمر الملكي بتعيين الحجيلان سفيراً للسعودية لدى الكويت. ويتابع الحجيلان، الذي أصبح بعد سنين سفيراً لدى فرنسا، استذكاراته قائلاً، “كيف كان لي أن أتنبأ بعد أن انتهيت من إذاعة التعليق في 20 يوليو (تموز) 1961، أنني سأعود بعد 30 عاماً لأجد نفسي في موقع من مواقع الصدارة، دفاعاً عن الكويت بالحديث والقلم، وأني سأعمل وأنا سفير لبلادي في باريس، على مدى سبعة شهور، متنقلاً بين وسائل الإعلام الفرنسية إذاعة وصحافة وتلفزيوناً، كي أندد بالعدوان الهمجي على الكويت”، وهو عدوان الزعيم العراقي صدام حسين عام 1990.

جميل الحجيلان (أرشيف المجلة العربية)

هل تتشوقون لمعرفة موقف غير سياسي وغير عسكري لتأكيد الوشائج العميقة بين السعودية والكويت؟ حسناً، يقول الحجيلان في موضع آخر من مسودة مذكراته، “استدعاني سمو الشيخ عبدالله السالم [أمير الكويت حينها] في أحد أيام شهر فبراير (شباط) 1962 وقال لي إن فريقاً من الفنيين التابعين لحكومة الكويت سيقوم بمسح استقصائي لمكامن المياه في الكويت، وقد يضطر هؤلاء الفنيون لتجاوز الحدود الكويتية – السعودية لعدة كيلومترات داخل المملكة، أرجو إخبار جلالة الملك سعود بذلك”. ويتابع “رفعت لجلالته برقية بهذا المعنى، فجاء الرد على النحو التالي: أخبروا سمو الأخ الشيخ عبدالله ترحيبنا بالفريق الفني في أي مكان في المملكة، حتى لو أراد البحث في مدينة الرياض عن الماء للكويت”.

ما بين موقف الملك سعود مع قاسم عام 1961 وموقف الملك فهد مع صدام عام 1991، تكمن خصلة الثبات في المواقف لدى السعودية، وهي خصلة صعبة المنال ونادرة التحقق في السياسة الدولية، وإن ادّعتها العديد من الدول في نشرات أخبارها.

وفي سيرة حياة الحجيلان المديدة والثرية، ستتعرف إلى مواقف السعودية في أكثر من موقع، ونحو العديد من القضايا التي ما زالت ساخنة، وما زال موقف الرياض منها الآن كموقفها في الستينيات وقبل ذلك التاريخ وبعده. الموقف من القضية الفلسطينية (المستدامة!)، الموقف من اليمن (غير السعيد)، الموقف من الولايات المتحدة الأميركية (بحزبيها)، وغيرها مما تزخر به مذكرات الحجيلان، الذي لم يعد، وقد قارب الـ 100 من عمره، يدفعه للإبانة عن هذه المواقف السعودية النبيلة، الطمعُ في منصب وظيفي أو في مال أو في جاه أكثر مما ناله ومما هو فيه الآن، بل يدفعه فقط إنصاف وطنه والإدلاء بشهادته للحق والتاريخ.

وبعد، فقد يكون هذا واحداً من أطول مقالاتي في حياتي، والسبب أني عشت قرابة 100 سنة في قراءة المذكرات، ولم أكتب لكم سوى عن سنتين منها فقط، فتخيلوا ما في تلك المذكرات من أشخاص وأحداث وقعت لرجلٍ واحد.

وختاماً، شاركوني فضلاً التشوّق والتشوّف لصدور السيرة الذاتية لمعالي الشيخ جميل الحجيلان، فقراءتها من المسودة تشبه تذوق الطعام وهو ما زال على النار!!

ألن تعود يا أبي؟!

الكلام الأخير – زياد بن عبدالله الدريس

مئة وعشرون يوماً مضت وأنا كالطفل الذي ينتظر عودة أبيه من السفر!

أرجوكم لا تعِظوني، فأنا أعلم أن الموت حق، لكن هل تعلمون أنتم أن الحزن حقٌ أيضاً؟!
ثم لماذا تعظونني؟
فالإنسان الذي أمامكم بداخله شخصان؛ رجلٌ يعرف ما ستقولونه عن حتمية الموت، وطفلٌ لن يفهم ما ستقولونه له عن حقيقة الموت.

ستون عاماً من الصداقة بيننا يا أبي، أفلا أحتاج إلى ستين عاماً أخرى كي أسلو، لا كي أنسى!
حين كنتُ طفلاً، حملتني بين ذراعيك، من طبيب إلى آخر بين الرياض وبيروت والقاهرة ولندن، بحثاً عن علاج لرِجلِي التي آلمتني وأوجعتك!
ثم لما كبرتُ، حملتني بين كفيك، تدعو لي بين صلاةٍ وأخرى، بأن يقوّي الله رِجلي كي تحملني، أو أن يقوّي الله يدي كي تحمل «القلم»!

سكبتَ دموعك عليّ «قلقاً» جوار غرف العمليات في مستشفيات ومدن عديدة.
ثم سكبتَها «فرحاً» يوم رُزقتُ بابنتي الأولى.
ثم سكبتها «حزناً» يوم أخبرتك بأني سأنتقل للعمل في باريس.
ثم سكبتها «ابتهاجاً» يوم عدتُ للاستقرار في الرياض بعد عشر سنوات غياب.
فأي دموعٍ أسكبها على فراقك، يرحمك الله، تكافئ بعضَ البعضِ من دموعك التي أمطرتَ بها جفاف حياتي؟!

ألن تعود يا أبي؟
أمي التي «رحلتَ قبلها» تحنّ إليك، وتقول: لماذا سأل «أأرحل قبلكِ أم ترحلين …» ثم لم يجعلني أنا التي أجيب/ أستجيب؟!
وليلى ما زالت تكتب عنك أجمل التغريدات النابضة بالحب والحزن، وكأنك مِتّ أمس فقط.
وعمر يقول لي هاتفياً قبل أمس: حين رأيت الرثاء الذي كُتب عن الشيخ عبدالله والثناء الذي غُمر به تحسرت أني لم أتعرّف عليه في حياته كما ينبغي. «أنت شريكٌ في هذه الخطيئة» قال لي، وهو لا يعلم أني أنا نفسي حين رأيت ذاك الرثاء والثناء، من مخالطيك من الأصدقاء والزملاء، تحسرت أني لم أتعرف عليك كما ينبغي!

ظلّ تاريخ ٦ أكتوبر في ذاكرتي اليوم المجيد الذي كُسرت فيه شوكة الهيبة الاسرائيلية. الآن أصبح في ذاكرتي اليوم الحزين الذي كُسرت فيه شوكتي!

لن تعود يا أبي، لأنك لم تذهب. 
ما زال ذِكرك باقياً بيننا، وصيتك الحسن يغمرنا بالفخر، ولو قالوا لي: «ليس الفتى من يقول كان أبي … إن الفتى من يقول ها أنا ذا»، لقلت لهم: ها أنا ذا .. لأن عبدالله بن إدريس كان أبي.

مجلة اليمامة

اليتيم الكبير

(١)

الأب هو عمود الخيمة التي يستظل تحتها الأبناء، فإذا سقــط العــمود وجب على الأبناء إعادة تصميم الخيمة، من دون عمود في وسطها، أو استبدالها بنوع آخر من المأوى.

يصدق هذا الوصف على كل الآباء، لكنه يصدق أكثر على أبي (عبدالله بن إدريس)،… أو هكذا يُخيّل إليّ!

(٢)

ظل أبي دوماً المتوازن في تديّنه من غير تطرّف أو تعنيف. والمتوازن في وطنيته من دون عنصرية أو استعلاء. والمتوازن في تكسّبه من غير كسلٍ أو جشع. والمتوازن في مصاريفه من دون تقتير أو تبذير.

(٣)

وظل أبي الشاعر، المتوازن في شعره من غير هجاء أو استجداء.

نشأتُ في بيت يقوده (شاعر) وهو أيضاً كاتب وصحافي وناقد أدبي. كان الحبر والورق يملأ بيتنا وسيارتنا وجماجمنا. وفي حين كان الناس يضعون الصحف بعد قراءتها مفارش لموائدهم، كان ذلك (الأب) يوقّر (الأحبار) وما كًتبت… والأوراق وما حوت. فنشأنا نعدّ الحبر والورق ثنائية ملازمة لنا كثنائية الليل والنهار.

(٤)

لأنه أبي فقط أحببناه، ولأنه ذلك الرجل المتوازن أُعجبنا به، وأَعجَبنا له هذا السيل من الدعوات والمشاعر التقديرية ومن ذاكريه في الصحف ووسائط التواصل، فهنيئاً له بهذا الحب والإعجاب والدعوات، وهنيئاً لنا به.

(٥)

لن أحدثكم الآن عن حياة أبي، فقد أفعل ذلك لاحقاً. سأحدثكم الآن عن وفاته.

اكتشفت أن المرض الذي يصيب الإنسان قبل وفاته له منفعتان: تخفيف الذنوب عن الميت، وتخفيف الحزن عن أهله.

لم تكن أيام مرض أبي القليلة كافية لتخفيف الحزن عني كثيراً، وما كان لها أن تنجح في فعل الكثير حتى لو طالت!

لكني أتخيل حالي لو أني استيقظت صباحاً ووجدته ميتاً على فراشه في بيتنا، أو لو جاءني خبر وفاته حين كنت خارج المملكة، كيف كانت ستكون فجيعتي؟!

لقد أكرمني الله الرحيم بأن تحدث الوفاة وأنا بجواره، وأن يكون ذلك بعد أيام (وإن قلّت) من تدهور صحته، فالحمدلله على رحمة الله.

(٦)

كنت أسمع خبر موت (الأب) لبعض المعارف والأصدقاء ولم أكن أتصور ضخامة الحدث حتى ذقتُه.

أشعر الآن بتقصيري، وأتمنى أن أعود لأصدقائي فأعزيهم من جديد عزاءً يليق بمصيبتهم.

(٧)

في التعريف المتداول أن اليتيم هو من مات أبوه عنه وهو صغير حتى يكبر.

وماذا عمن كان كبيراً في حياة أبيه ثم صغر لمّا مات أبوه، أليس هذا أشد يُتماً؟

أنا اليتيم بعد موت أبي: عبدالله بن إدريس.

نهاية «القوة الناعمة» !

ألِف الناس كثيراً استخدام مصطلح «القوة الناعمة» منذ أن صاغه جوزيف ناي عام ١٩٩٠، حتى إنهم من شدة ألفتهم معه أصبحوا يستخدمونه داخل بيوتهم، في المطابخ وفي غرف النوم!

بعد مرور ٣٠ عاماً على ولادة «القوة الناعمة Soft power» سيفاجأ الناس بولادة مفاهيم أخرى قد لا يسهل لهم التآلف معها، مثل: القوة الصلبة Hard power والقوة الحادة Sharp power، ليس لأنه لا يمكن توظيفها كما الأول، ولكن لأن توظيفها بغير دقة قد يورث عواقب وخيمة!

هذه المفاهيم الحديثة في الخطاب السياسي ليست مجرد عبارات إنشائية كما يتداولها الإعلاميون العرب في تعليقاتهم على سبيل التجمّل بها (!) بل هي عند الذين صاغوها أدوات جديدة للحروب ضد الدول المنافسة أو المستهدَفة.

وكما أن المختصين في العلوم العسكرية يدركون أنواع المعارك الحربية، فإن المختصين في العلوم السياسية والدبلوماسية يدركون أنواع المعارك السِّلمية التي هي خيار آخر عصري للحرب.

عند الخوض في هذه المفاهيم الدبلوماسية للقوة يهمني أن أشير إلى أن أستاذ الدبلوماسية العامة الدكتور سعود كاتب (وكيل وزارة الخارجية السعودية سابقاً) هو أحد أبرز منظّري هذا الحقل المعرفي في امتداد الوطن العربي. وقد كتب مجموعة تغريدات في تويتر تناول فيها المفاهيم الثلاثة، ثم غاص في التعريفات/‏ المناوشات بين باحثي الغرب (أمريكا خصوصاً) مع باحثي الشرق (الصين تحديداً) في تكييف التعريفات وفق تحيزات كلٍّ منهم لمعسكر القوة الذي ينتمي إليه.

ليس جديداً هذا التحيز الذي يقف ضده الدكتور كاتب بقوة، إذ تحيَّز الخطاب الغربي، خصوصاً، عند تعريفه «الإرهاب» وعند تسميته أعضاء «محور الشر».

المؤسسات الغربية، السياسية والإعلامية والعلمية، لا تنظر إلى تلك المحدِّدات «الوصميّة» بمعزل عن «مَنْ» توصف به، بل هي تختار من تشاء تصنيفه ثم تضعه تحت طائلة التعريف الموجَّه. ولا عجب أن تفعل ذلك فهي في حقيقة الأمر تمارس حرباً «ناعمة» أو حادة ضد أعدائها، وإن تلبّس فعلُها لباسَ الدبلوماسية الوديعة.

ولذا يختار الدكتور سعود أن يعرّف القوة الحادة بأنها «القوة الحادة في رأيي ليست قوة صلبة كما يرى ناي، وليست قوة غير ذكية كما ترى Xin، وليست مرتبطة بطبيعة النظام السياسي كما يرى Walker، بل هي قوة ناعمة غير أخلاقية في وسائلها وفي أهدافها، والنتائج المترتبة عليها وذلك بغض النظر عن طبيعة الدول التي تقوم بها».

ووفق تعريف الدكتور سعود فإنه يمكنني وصف ما يقوم به المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر التغريدات والمقاطع المتداولة في تويتر بأنه في حقيقته ليس قوة ناعمة كما يصفها كثيرٌ منا، بل هي قوة حادة لأنها تستخدم وسائل أخلاقية أو غير أخلاقية لتحقيق أهداف غير أخلاقية (خدمة الاحتلال). وبالمثل أيضاً ما عملته المكينة الإعلامية الأمريكية لتجريم العراق بهدف احتلاله لاحقاً في العام ٢٠٠٣. كما يجب علينا أن نعيد النظر فيما إذا كانت أعمال قناة الجزيرة، خصوصاً أيام (الربيع) العربي، قوة ناعمة أم حادة؟!

أما أوضح مثال على تحيز استخدام تلك المفاهيم، فهو الموقف من التحركات التي تقوم بها الصين في العديد من دول العالم لمواجهة كورونا، ففي حين يصف المعلق البريطاني سايمون تيسدال فايروس كوفيد 19 بأنه أصبح إحدى أدوات القوة الصينية الناعمة لتجاوز القوة العظمى المنافسة لها، يصف معلقون أمريكيون وغير أمريكيين، على أساس أن الصين هي المسؤولة عن انتشار الفايروس في العالم (!) بأن ما تقدمه من مساعدات الآن هو ليس قوة ناعمة بل قوة حادة، بينما يراها آخرون قوة صلبة باعتبارها حرباً جرثومية سافرة!

في تغريدات الدكتور سعود الثرية (متوفرة على تويتر) نماذج متنوعة لأحابيل التحيز في الخطاب الغربي في هذا الحقل خصوصاً، وهو ينبه إلى ضرورة إدراك الأكاديميا العربية لمفاهيم القوة الناعمة والحادة وتطبيقاتهما.

وأنا أثنّي على طلبه، بأن هذا الإدراك المطلوب يجب أن ينعكس أيضاً على الحواضن الدبلوماسية السعودية وكوادرها التي يجب أن تتدرب جيداً لصد الحروب الدبلوماسية الشرسة، في أثوابها الجديدة!

وأتساءل، وبلادنا العزيزة مستهدفة كثيراً بهذه السهام «الناعمة» من الخارج: هل لدى الدبلوماسي السعودي والإعلامي السعودي الجاهزية لخوض هذه الحروب التي تسيل فيها «دماء بيضاء» قد لا يُفطن لها حتى يكتمل النزيف القاتل ؟!