حوارات

عهود التباكي على تهميش اللغة العربية في اليونسكو قد ولت

حاوره: محمد صبح

يشير اشتراك الدول العربية قاطبة غدا في الاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي، وبمثل هذا الاحتشاد الجمعي المشهود، إلى نجاح منظمة اليونسكو في تكريس اهتمام العرب بلغتهم القومية، ولإن كانت اليونسكو قد خططت من وراء إقرار هذا اليوم، أن يتحول إلى يوم التفات عام إلى واقع لغة الضاد ومناسبة لمراجعة مواقف العرب قبل العجم حيالها، فإن المغزى الأسمى لليونسكو هو التشجيع على أن يمتد هذا الالتفات ليشمل اللغة العربية في أيام العام كلها، لاسيما أن الاهتمام بها في الفترة الأخيرة قد أثمر واقعا أفضل من حيث الانتشار والرعاية عربيا وعالميا، حول ذلك، أعرب المندوب الدائم للمملكة لدى منظمة اليونسكو الدكتور زياد بن عبدالله الدريس، عن تفاؤله حيال واقع ومستقبل اللغة العربية داخل اليونسكو وفي العالم العربي، مؤكدا لـ(عكاظ) تمتع لغة الضاد في الوقت الحالي بمكانة مرموقة في اليونسكو، حيث أصبحت تحتل المركز الثالث من حيث الاهتمام بعد اللغتين الإنجليزية والفرنسية، واعتبر الدريس الذي يشغل منصب رئيس الهيئة الاستشارية للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية “أرابيا”، أن الإعلام يقوم بدور داعم في النهوض باللغة العربية بشكل ملحوظ من خلال انتشار القنوات الفضائية العربية عبر القارات، لافتا إلى أن المنظمات الدولية سيئة السمعة في تحيزاتها ضد القضايا العربية ليست عصية على التغيير والتبديل، (عكاظ) ناقشت مع الدريس العديد من قضايا لغة الضاد والشأن الثقافي العربي في ثنايا الحوار التالي:

• بعد مرور العام الأول على احتفال اليونسكو باليوم العالمي للغة العربية، ما أبرز ما تحقق على صعيد الاهتمام بلغة الضاد من جانب المنظمة والمجموعة العربية الأعضاء فيها؟

– قد أكون مبالغا أو معربا عن تفاؤلي أكثر من اللازم لو أحصيت لك ما تحقق من جانب المنظمة منذ العام الماضي إلى هذا العام، وأعتقد -وقد تشاركني نفس الاعتقاد في ذلك- أن إحداث تحولات كمية ملحوظة في مثل هذه المهام يتطلب فترات طويلة من الجهود المتواصلة. فلا يمكن أن تتحقق تحولات من هذا النوع خلال أشهر قليلة أو على امتداد سنة واحدة فقط. وبناء على ذلك نستطيع أن نلمس التغيرات والآثار المتوقعة للاهتمام باللغة العربية بعد سنوات، لا أقول إنها ستطول إلى عشرات السنين، لكن على الأقل سيكون من المناسب تقييم التجربة بعد خمس سنوات، ثم بعد خمس أخرى بعدها، وهكذا. لكن بشكل عام أشعر بتفاؤل كبير حيال واقع ومستقبل اللغة العربية داخل منظمة اليونسكو وفي العالم العربي أيضا، فمنذ صدور قرار اليونيسكو باعتماد 18 من ديسمبر من كل عام يوما عالميا للاحتفاء باللغة العربية والاهتمام بها في تقدم مستمر، والحدود الدنيا لهذا الاهتمام تتمثل في بروز توجه داخل اليونسكو يمكن تسميته بالتعاطف والتفاعل مع اللغة العربية، حيث أصبح هناك إحساس عام وملموس بأهمية اللغة العربية أكثر من ذي قبل. ففي السابق كان هناك تباك على اللغة العربية، أما الآن تراجع التباكي وتضاعفت جرعة التفاعل، وهذا يبعث في نفسي الكثير من الارتياح والأمل بعدما شهدنا هذا التباكي لعقود طويلة دون أن نجني منه شيئا يمكن التعويل عليه.

• ألا تذكر لنا بعض الأمثلة على هذا الاهتمام الذي أشرت إليه؟

– ليست هناك أمثلة محسوسة يمكن ذكرها، لكنني أؤكد أن اللغة العربية أصبحت تحظى باهتمام ملحوظ داخل منظمة اليونسكو ولم تعد مهملة مثل العهود السابقة، بل على النقيض أصبح حضورها أقوى من بعض اللغات الأخرى. فمن خلال الرصد والمتابعة ومراجعة الترجمات أستطيع القول إن اللغة العربية الآن أصبحت تحتل المركز الثالث من حيث الاهتمام بعد اللغتين الإنجليزية والفرنسية داخل منظمة اليونسكو وتتنافس على مساحة هذا المركز مع اللغة الإسبانية. ويجدر أن أشير هنا إلى أن الاهتمام باللغات داخل اليونسكو كان قاصرا على اللغات الثلاث الانجليزية والفرنسية والإسبانية، فيما كانت تعاني اللغات الثلاث الأخرى العربية والروسية والصينية من التهميش. ولقد ظل هذا الواقع اللغوي فترة طويلة، لكن اللغة العربية استطاعت مؤخرا الانتقال من الفئة المهمشة إلى الفئة الأكثر اهتماما. صحيح أنها لم تصبح اللغة الأولى أو الثانية، لكن على الأقل أصبحت تنافس اللغة الإسبانية على المركز الثالث، ولم تعد في مستوى اللغات الأقل اهتماما كاللغتين الروسية والصينية كما أشرت سلفا.

• تترأس الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية “أرابيا” التابعة لليونسكو، فما طبيعة تلك الخطة؟

– الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية هي أحد البرامج الأساسية لمنظمة اليونسكو، وقد أنشئت منذ سنوات ماضية، كي تهتم بتعزيز الثقافة العربية ومطاردة ما يمكن تسميته بمثبطات النهوض بالثقافة العربية، وتعمل على إزالة الإهمال الواقع على اللغة العربية سواء من قبل أبنائها أو الآخرين.

• وماذا عن الأدوار التي تضطلع بها؟

– تهدف “أرابيا” إلى إبراز المبدعين العرب، والتعريف بالثقافة والفنون العربية، والاهتمام باللغة العربية وهذا هو البرنامج الأنشط الآن لدينا، كما أنها يفترض أن تتعاون وتنسق مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو” في اختيار عاصمة الثقافة العربية كل عام.

• إلى أي مدى تتكامل الخطة أو تتعارض مع منظومات الدول العربية في العناية باللغة العربية؟

– ليس هناك أي تعارض لأن الخطة قامت لتحقق التكامل سواء مع “الألكسو” أو المؤسسات الثقافية المعنية في الدول العربية.

• إذن فلتحدثنا عن واقع التكامل الحالي بين “أرابيا” وهذه الجهات؟

– للأسف التكامل حاليا غائب إلى حد كبير بين “أرابيا” والمؤسسات الثقافية في العالم العربي. وأجزم بأن الكثير من الدول العربية ومؤسساتها الثقافية لا تعلم بوجود هذه الخطة، لذلك أحاول منذ انتخابي لرئاسة “أرابيا” التواصل مع هذه المؤسسات، كي أعرفها بهذه الخطة الدولية التي أنشأتها منظمة اليونسكو. ولا يمكن إعطاء رمز أكثر دلالة على الاهتمام العالمي بالثقافة العربية من إنشاء هذه الخطة الدولية. ولقد تجسدت أولى خطوات بناء جسور التواصل بين “أرابيا” وهذه المؤسسات في مبادرة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، حيث جرى التواصل مع وزارات الثقافة في الوطن العربي كافة، لتحفيزهم على المشاركة والتفاعل مع هذه المناسبة، والنية ما زالت معقودة للتواصل مع هذه المؤسسات العربية لتفعيل برامج أخرى لا تقتصر على اليوم العالمي للغة العربية.

• ما أسباب اختيار “أرابيا” لموضوع (دور الإعلام في تقوية أو إضعاف اللغة العربية) محورا رئيسيا في الاحتفال بيومها العالمي هذا العام؟

– تطرقنا في احتفالية العام الماضي إلى دور المؤسسات التعليمية، كما تناولنا أيضا دور المؤسسات اللغوية على هذا الصعيد. وخلال كلمتي في احتفالية العام الماضي أعلنت أنه بدءا من العام القادم سنضع محورا لكل عام لهذه الاحتفالية، وهذا ما صنعناه بالنسبة لاحتفالية هذا العام، فأثناء اجتماع الهيئة الاستشارية لـ”أرابيا”، طرحنا كافة الخيارات. اتفقنا على أن محور المؤسسات التعليمية نوقش العام الماضي وإن لم نشبعه بحثا إلا أنه يمكن العودة إليه في عام قادم، واتفقنا كذلك على إرجاء تناول محور وضع الجاليات العربية في المهجر مع اللغة العربية، واستقر رأينا على إعطاء الأولوية لمحور الإعلام هذا العام لأن الإعلام سواء التقليدي أو الجديد هو الذي يلعب الآن الدور الأساسي في الحراك الدائر حول اللغة العربية بصرف النظر عما إذا كان هذا الدور إيجابيا أم سلبيا. ومما عزز قناعتنا في هذا الاتجاه أيضا أن استهداف الإعلام هذا العام والبدء ببحث علاقته مع اللغة سيساعد في نشر وترويج اليوم العالمي للغة العربية.

• إذن دعنا دكتور زياد نستبق النقاش ونسألك عن تقييمك لدور الإعلام في النهوض بلغة الضاد؟

– إذا تحدثت عن الإعلام الفضائي الذي يمتد خارج الوطن العربي، دون أن يشمل ذلك القنوات الرسمية الحكومية، أعتقد أنه قام بدور داعم في النهوض باللغة العربية بشكل ملحوظ من خلال انتشار هذه القنوات الفضائية عبر القارات، خاصة عندما أتحدث عن قناتي “الجزيرة” و”العربية” اللتين بثتا اللغة العربية في فنادق ومنتجعات شهيرة بدول أجنبية لم يكن يخطر على بال أحد أن يسمع اللغة العربية تتردد فيها وتسمع عبر شاشاتها. أستطيع أن أقول إن كل الفضائيات العربية قامت بدور إيجابي ناحية اللغة العربية مع استثناء تلك التي خلطت العربية باللغتين الانجليزية أو الفرنسية أو التي كسرت هيبة البرامج التي تتحدث باللغة العربية السليمة وانحدرت إلى استعمال اللهجات العامية والدارجة. وحتى بالنسبة لهذه الفضائيات التي قد يرى البعض أنها أساءت إلى اللغة العربية، أعتقد أنها خدمت اللغة العربية بشكل ما بغض النظر عن تزاحم الفصحى والعامية، خصوصا عندما نضع في الاعتبار مقدار التهديد الذي تمثله مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية وهو الجدير والأولى بأن نلتفت إليه.

• عطفا على مقالك اللافت “العرب واليونسكو.. الهزيمة الثالثة” هل ترى تبريرا لهذه الهزيمة عربيا؟

– لم يكن مقالي تبريرا بل تفسير لهذه الهزيمة، وأشرت إلى أن الهزيمة العربية الثالثة في رئاسة اليونسكو، بعد هزيمتي ١٩٩٩ مع الراحل غازي القصيبي و٢٠٠٩ مع المرحل فاروق حسني، وقعت بسبب سوء التنظيم والتنسيق بين الدول العربية، كما أني ختمت المقال باقتراح آلية لعدم تكرار هذه الهزيمة في انتخابات العام 2017م بإذن الله. وقد علمت أن هذه الآلية المقترحة موجودة الآن في مكتب أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي أو مرت بمكتبه على أقل تقدير، وأرجو أن تحظى باهتمامه رغم أني أعرف أن انشغالاته بمآسي الربيع العربي تمنعه من متابعة هذه المهام، لكني أتمنى أن يحيلها إلى القسم المختص في جامعة الدول العربية وأن يتولاها بدوره بعد ذلك كمسألة فنية بحتة.

• ألا يشير حديثك هذا إلى أن وقوع الهزائم الثلاث للعرب في رئاسة اليونسكو إنما يعود إلى عدم تبلور قرار عربي موحد في هذا الاتجاه؟

– بلى. لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال بأكثر من قولي: بلى.. تماما.

• ما حقيقة ما يسمى بـ”نادي العشر” في اليونسكو؟

– “نادي العشر” مسمى غير رسمي لقائمة افتراضية داخل اليونسكو، حيث لا يوجد كيان واقعي يحمل هذه الصفة في الحقيقة. ولقد نبعت التسمية من الإشارة إلى هذه القائمة في أحد التقارير المسربة التي نشرتها بعض الصحف قبل أشهر قليلة، وقصدت بـ”نادي العشر” قائمة الدول العشر الأكثر نفوذا داخل منظمة اليونسكو أو ما يعرف بالـ”توب تن”، والمملكة العربية السعودية كانت واحدة من هذه الدول العشر وهي الدولة العربية الوحيدة في القائمة أيضا.

• هل يعني ذلك أن “نادي العشر” يلعب دورا مؤثرا في صنع قرارات اليونسكو وتوجيه سياساتها؟

– هذه الدول لم تسم بالدول العشر الأكثر نفوذا، إلا لأنها تلعب دورا مؤثرا في صنع قرارات اليونسكو وتوجيهها، وذلك بناء على ما تمثله هذه الدول من مناطق جغرافية وتكتلات إقليمية تنتمي إليها.

• في ضوء دورك المؤثر في اعتراف اليونسكو بفلسطين كدولة كاملة العضوية، ألا تكشف تلك النتيجة عن خطأ نظرة العرب إلى المنظمات الدولية في اعتبارها مناهضة لحقوقهم؟

– سوء الظن العربي تجاه المنظمات الدولية لا يخلو من صحة، لكنه لا ينبغي أن يكون بأي حال سوء ظن دائم ومطلق، فتلك هي المشكلة. ينبغي للعرب أن يعرفوا أن تلك المنظمات سيئة السمعة في تحيزاتها ضد القضايا العربية أو في تحيزاتها مع قضايا أخرى لا تخدم القضايا العربية ليست عصية على التغيير والتبديل، وأنهم إذا ما اشتغلوا على برامجهم ومشاريع قراراتهم مثلما يعمل الآخرون فسيحصلون على نتائج إيجابية كما يأملون، ونموذج حصول فلسطين على العضوية الكاملة في المنظمة مثال على ذلك. فرغم مقاومة أكبر قوة عظمى في العالم لهذا القرار إلا أنها لم تستطع أن تمنع العرب من إكمال مسيرتهم، أو تحول بينهم وبين اجتذاب غيرهم من الدول المؤثرة مثل فرنسا وروسيا وإسبانيا وإيطاليا للتصويت الإيجابي معهم، وكذلك لم تمنعهم من أن يحيدوا بعض الدول ويبعدوها عن الركب الأمريكي المعارض للقرار مثل بريطانيا.

• ألا يمكن القول بناء على حديثك هذا إن الخطأ يكمن في طريقة تعامل العرب مع هذه المنظمات الدولية؟

– نعم الخطأ في طريقة التعامل. والخطأ أحيانا يكمن في غياب صدق النوايا في الإصرار على إكمال المسيرة إلى أن يتحقق الهدف القومي الذي يريده العرب، مثلما تلتزم تكتلات إقليمية أخرى بمطاردة رغباتها إلى حين الوصول إلى تحقيقها.

• ما تقديرك لحجم خسارة أمريكا لحق التصويت في اليونسكو؟ وألا تبدو أميركا في حقيقة تلك الخسارة كمن عاقبت نفسها قبل معاقبة اليونسكو كما قالت سوزان رايس مستشارة الأمن القومي؟

– بلا شك أمريكا عاقبت اليونسكو بالحرمان المالي لكنها أيضا عاقبت نفسها بحرمانها من النفوذ داخل المنظمة. وأعتقد أن الحرمان من النفوذ في أوقات كثيرة يصبح أشد من الحرمان المالي لكن أميركا كانت بين خيارين، إما المال أو النفوذ، وللأسف رضخت الإدارة الأمريكية لقرار الكونجرس القاضي بالتوقف عن دعم اليونسكو ماليا، وبناء على ذلك استمرت الدول الأعضاء في اليونسكو في شجاعتها التي بدأتها منذ عام 2011 م في التصويت لفلسطين، ثم استمرت في شجاعتها كذلك عام 2013 م في التصويت بحرمان أمريكا من حقها في التصويت. وهذا الموقف يوضح بشكل جلي الصراع الدائر بين الإدارة الأمريكية والكونجرس، فالإدارة لم تكن مع المنع من الحرمان المالي وكانت حذرة من أن يؤثر هذا الإجراء في حالة اتخاذه على نفوذ أمريكا داخل المنظمة، ونحن نعرف ما الذي يعنيه تضعضع الدور الأمريكي داخل اليونسكو، خاصة أنها كانت قد انسحبت عام 1984م ثم عادت إليها عام 2003 م، وعقب 19 عاما من الانسحاب لم تكن هذه العودة إلا لإدراك أميركا لمدى تأثير القوة الناعمة في عالم اليوم، وبناء على ذلك أصيبت أميركا بصدمة عنيفة جراء خسارتها للمرة الثانية للنفوذ الذي كانت تنشده.

• أين يقف ملف جدة التاريخية الآن؟

– ملف جدة التاريخية الآن بين أيدي هيئة “الإيكوموس” وهي الجهة المسؤولة عن تقييم الموقع. ونحن بانتظار ما سيصدر عن هذه الهيئة في تقريرها في شهر فبراير المقبل بإذن الله تعالى، وذلك قبل الإعلان عن القرار النهائي للجنة التراث العالمي في اجتماعها في شهر يونيو المقبل.

• ألم تلح أي مؤشرات تفصح عن اتجاه القرار المحتمل لـ”الإيكوموس”؟

– لم تظهر أي مؤشرات ولم ترشح أي مؤشرات من أي نوع. تحريت أكثر من مرة عبر الدوائر القريبة من “الإيكوموس” غير أني لم أظفر بشيء، إذ لم يدون التقرير في شكله النهائي حتى الآن وبناء على ذلك لا يمكن لأحد أن يجزم بالمضمون المحتمل للقرار.

• ما توقعاتك إذن بشأن قرار لجنة التراث العالمي التي ستعقد اجتماعها في قطر في شهر يونيو المقبل؟

– توقعاتي سأبنيها على محتوى تقرير هيئة “الإيكوموس” وهذه الجهة يفترض أنها أرسلت الخبير إلى الموقع لمعاينته وستعلن كما ذكرت قرارها المبدئي في شهر فبراير المقبل، وعقب ذلك وليس قبله سنبدأ بالتنسيق مع هيئة السياحة والآثار في تحركات فنية وديبلوماسية لدعم القرار أو تعديله إذا كان فيه شيء من التحفظ أو الرفض الخفيف مثلما فعلنا في مواقع سابقة، لكن ما أخشاه حقا هو إذا ما جاء القرار صارما في سلبيته ضد الموقع، في هذه الحالة سيصعب على التحرك الديبلوماسي فعليا تعديل مسار القرار من سلبي إلى إيجابي، لذلك أكرر أن موقفنا سيتحدد بناء على ما سيصدر عن هيئة “الإيكوموس”، وبموجب قرارها سيكون في إمكاننا إما الانطلاق والرمي بثقلنا الفني والديبلوماسي كله لحشد التصويت الإيجابي لموقع جدة التاريخية خلال اجتماع شهر يونيو المقبل في الدوحة أو أن الأمر سيصبح متعذرا وفي هذه الحالة أخشى أن نعود إلى ذات التجربة الأليمة التي سبق وعايشناها العام قبل الماضي.

مندوب السعودية يقول : أفسدت “يونيسكو” علي رؤيتي الإقصائية للثقافات الأخرى ! . زياد الدريس : أتأخر في الاستغفار من الذنب الذي أتردد في تصنيفه

صحيفة الحياة

الأربعاء, 5 مارس 2013

خالد الباتلي

قبل ستة أعوام تقريباً عيّن زياد الدريس مندوباً للمملكة في”يونيسكو”وأجريت معه حواراً حينها، وكان لا يزال في سنة أولى”يونيسكو”..

الآن ألتقيه وقد بلغ الدرجات العليا في “يونيسكو”ممارسة ومنصباً وأثراً..

وأنا أتحاور معه شعرت باختلاف كثير، رأيت فيه الموضوعية والتسامح أكثر، ورأيت فيه المفردة المختصرة ذات المعنى الأجمل،

زياد الدريس لا يحب الصحافة والديبلوماسية لأنهما مقترنتان بالكذب عنده وعند آخرين، لذا يحب أن يكون فقط كاتباً، ويبشر بأنها مرحلته بعد مناصب الحكومة والقطاع الخاص..

تأخرت الأنثى بالإطلالة في حياته، إذ لم تكن هناك إلا أمه فقط، وأكرمته الدنيا بصبره هذا بزوجة وأربع بنات يمنحنه ما فات وما هو آت، بل وجاءت أول حفيدة له كأنثى اختصرت المراحل لترى جدها في الـ50، وهو مازال يعشق أنفاس الأنثى حواليه..

زياد عاش بين الروس طالباً فأخذ منهم المطولات والمقعرات والمراهقة ذات الأصالة، وجاء لباريس سفيراً فألزمه المنصب بعقل لا يناسب الباريسية وغوايتها، لكنه يعرف كيف يغوي ويتغاوى. كيف لا؟ وله فلسفة جميلة مع الذنب والاستغفار لا يجيد صناعتها أحد مثله..

كادت”السلفية”أن تقضي عليه، لكن انتصرت له النوايا الحسنة، ومازال قلمه ينبض حبراً، ولا تزال أعماله تنطق سحراً.هو إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير.. لأنه مؤمن بأن الإسلام”محتوى”فكري، والليبرالية”أداة”للتفكير”

لا نحتاج إلى سيرة ذاتية لنعرف بضيفنا اليوم، فهو ابن الصحيفة والصحيفة رحم حروفه وكلماته..

من هو ورقة بن نوفل الذي آمن بك قبل كل أحد؟

– هو زياد الدريس، إذ كان إنساناً صادقاً ولطيفاً معي طوال علاقتنا المديدة. تعرفت عليه في الصغر ثم توثقت العلاقة بيننا بعد أن كبرنا، نتخاصم أحياناً لكننا لا نلبث أن نعود لصداقتنا من جديد.

أستشيره في معظم شؤوني، لكن هذا لا يعني أني آخذ بمشورته دوماً، فبعضها يكون عاطفياً ومتعجلاً، ولذا ألجأ إلى غيره من الأصدقاء.

في بعض القضايا بالتحديد لا أجازف بأخذ رأيه ولا حتى باستشارته، لأني خبرت خلال الأعوام الطوال من العلاقة بيننا نقاط ضعفه، ولولا الوفاء الذي يتحتم بين الأصدقاء لسردت نقاط ضعفه هذه أمام الآخرين.

أوجه له بهذه المناسبة ومن هذا المنبر الشهير تحية حارة على صدقه ووفائه الدائمين معي، وآمل أن تستمر صداقتنا إلى الأبد.

هل عرفت أخي خالد عمن كنت أتكلم؟ قد تحتاج مثلي إلى العودة، بين كل عبارتين، لقراءة الاسم”أعلاه”. أنا فعلت ذلك!

أي الثقافات تبت عنها بعد سن الـ40 يوم بلغت أشدك وشادتك؟

– الثقافة الأحادية القائمة على الاعتقاد بأن الحقيقة المطلقة عندي فقط، وأني أنا الأفضل والأجمل في هذا العالم، ولأجل هذا طبعاً فنحن لا ننشغل إلا باعتقادنا أننا مستهدفون ومحسودون.

تحلّلتُ من عقدة أننا الأجمل لكن من دون أن تصيبني عقدة أنهم الأجمل. نعم أنا لا أنفي الاستهداف، لكن ليس بالصورة”الانتعاشية”التي نكررها صباح مساء.

الروسية والفرنسية

كيف تقوّم علاقتك باللغة الروسية قياساً بعلاقتك باللغة الفرنسية؟

– اللغة الروسية كنت أطاردها وأنا لا أعشقها.. من معهد بوشكين لتعليم اللغة الروسية إلى صحيفة البرافدا، أتهجّى تلك الأحرف الغليظة التي تصنع مفردات تشبه الخبز الروسي الأسمر.

وكنت كلما مررت بكلمة رقيقة في تلك اللغة واستطعمتها وتداولتها بلذة، قيل لي إنها مفردة أصلها فرنسي، تسللتْ من صوالين بطرس الأكبر المتفرنسة.

جئت الآن إلى فرنسا، ووجدتني أمام اللغة التي أعشقها، لكني للأسف لا أطاردها بما يكفي لتبيان هذا العشق.

أعوام دراستك العليا الروسية.. كيف تعاملت فيها مع التيار الروسي ذي النفس الطويل في الوصف والكتابة؟

– تعايشتُ مع النفَس الروسي الطويل، فمكثت قرابة ثمانية أعوام كي أنجز دراستي العليا.

صحيح أني لم أكن متفرغاً طوال أعوام الدراسة، لكنها كانت مدة كافية لتحدث منعطفاً في حياتي، وتخرجني من صندوق التفكير النمطي. أخذتْ مني الدراسة صفحات”تولستوية”طويلة من القراءة والكتابة.

الحق أنها لم تكن مجرد دراسة أو أطروحة كانت أكبر من هذا بكثير.

والتحليل.. كيف تآلفت أدباءهم الذين صقلتهم ثلوج سيبيريا وأنت ابن”حرمة”الحارة؟

– مسألة التآلف والتأقلم والتكيف لم تشكّل لي في كل محطات حياتي عائقاً، لن أنسى أني أثناء دراستي بكلية العلوم في سن الشباب، كان درس التكيّف adaptation من أكثر المواد والمواضيع المحببة إليّ.

لأجل هذا لم أجد وعائلتي صعوبة في التأقلم بين الرياض وموسكو وباريس.

لك قنطرة لا يعبرها غيرك في التعامل مع المصطلحات… لكن يبدو أنها سجنتك!

– أقاتل كل فخ وإغراء كي لا يسجنني نمط واحد من الكتابة، والحكم في النهاية للقراء إن كنت نجحت في الفرار من قيود السجّان أم لا!

لكن هذا الحذر لا ينسيني في المقابل أن لكل كاتب نكهته الخاصة التي ينبغي أن يُعرف بها، إذاً أريد أن أنوّع في الأطباق لكن مع الحفاظ على نكهة مميزة ثابتة.

بكم تدين للسخرية في الكتابة؟

– أدين لها بعباراتي التي اضطر أحياناً أن أجعلها ملغومة، ولو فككتها لأتلفت ورقتين أو ثلاثاً من الهذر الطويل.

أي صلة بين علم الحيوان وبين سيسيولوجيا الثقافة.. هل تتبنى مقولة أن الإنسان”حيوان ناطق”؟

– كثيراً ما يلجأ أهل السيسيولوجيا إلى أهل البيولوجيا لتسهيل تفكيك بعض الظواهر المجتمعية.

وقد درست الاثنين وبمحبة الحقلين. هنا في هذا المحك أجد نفسي مستمتعاً بقدر من هذا وذاك، فيكون سمننا السوسيولوجي في دقيقنا البيولوجي!

أرجو ألا يُفهم من كلامي الآنف أني أعني الاكتفاء الذاتي، بل أعني توافر الأدوات الذاتية.

محطاتك العلمية والعملية.. كم حجم الصدفة فيها من التخطيط المسبق لها؟

– لست من جماعة ستيفن كوفي ولا أجيد العادات السبع ولا العشر، ولست ممارساً في مجال تطوير الذات ولا البرمجة العصبية.

ولست من الذين يقدّمون دورات في كيف تخطط لحياتك في الـ50 عاماً المقبلة.

وأكاد أقول إن 90 في المئة مما حصلت عليه أو صنعته كان من دون تخطيط. أنا هنا لا أمتدح فوضاي ولا أذمّ التخطيط، لكني أريد أن أقول فقط بأن المبالغة في التخطيط.

تجعل الحياة صناعية، مثلما أن المبالغة في العفوية وعدم التخطيط تؤديان إلى الهاوية. ربما بالغت من جانبي في عدم التخطيط، لكن الله لطف وستر.

الشهادات الوهمية

اعتراف التعليم العالي بجامعة ما، هل هو صكّ غفران للعلم؟

– اطّلعتُ على ما يقوم به بعض المهتمين بمطاردة الجامعات الوهمية وكشف الشهادات المزيفة التي تصدر عنها، وهو عمل مبرر و مقبول.

فمجتمعنا لا يتحمل المزيد من الوهم والتزييف، والذي يقبل بالحصول على شهادة وهمية أو مزيفة يصبح إنساناً قابلاً للتزييف في أي وقت و في أي موضع.

لكن ينبغي التثبّت قبل قذف الناس بالظنون، فالتشكيك في الشهادة تشكيك في الذمة والنزاهة.

كما أني رأيت في أحد المنتديات المعنية بهذه الحملة مَن كَتَبَ يدعو القائمين عليها إلى التفريق بين الشهادات غير المعتمدة من وزارة التعليم العالي والشهادات المزيفة الصادرة عن جامعات وهمية.

وقد أوجز فكرته بالقول إن كل شهادة وهمية يجب ألا تعتمدها وزارة التعليم العالي، لكن ليست كل شهادة لا تعتمدها التعليم العالي شهادة وهمية.

و الفارق هنا أن وزارة التعليم العالي قد لا تعتمد بعض الشهادات بسبب ضوابط و إجراءات تكون إدارية أكثر منها أكاديمية، وتختلف هذه الضوابط بين دولة و أخرى، ما يجعل الشهادة التي لا تُعتمد في بلد تُعتمد في بلد آخر.

المحك الأساسي في الفرز يعتمد على عناصر ثلاثة: أن تكون الجامعة حقيقية ومثبتة ضمن المؤسسات الأكاديمية، وأن تكون الشهادة حقيقية ومعتمدة من مؤسسات رسمية في بلد المنشأ، وأن تكون الأطروحة أو العمل الأكاديمي مستوفياً للشروط العلمية.

ما عدا هذه الضوابط الثلاثة تفاصيل تقع في الشهادات المعتمدة من وزارة التعليم العالي أو في غير المعتمدة.

ويقوم في منظمة”يونيسكو”حالياً برنامج يعمل منذ أعوام على وضع آليات حديثة للاعتماد الأكاديمي تُواكب مستجدات التعليم المفتوح والتعليم عن بعد.

في رأيك، لم التشفي والحقد ينتشران في مجتمعنا، وبخاصة تجاه من يعمل ومن يبدع في شكل خاص؟

– هذه الظاهرة ليست خاصة بمجتمعنا، بل هي جبّلة كل المجتمعات البشرية، لكنها تزداد ظهوراً أو خفية بحسب وعي المجتمع وقدرته على الإفادة من المحسود بدل التخريب عليه!

أيهما أقرب لك الصحافي ذو العلاقات الجيدة أم السفير ذو المهارات العالية؟

– لا هذا ولا ذاك، فكلاهما ملموز دوماً بالكذب، الذي يُسمى عند الصحافيين: إثارة، ويُسمى عند الدبلوماسيين: تجمّلا ولباقة.

والأقرب لي هو”الكاتب”الذي يقول الحقيقة للقارئ بأسلوب يمنحه المعلومة و المتعة معاً. لا يغيب عني طبعاً أن بعض الكتّاب هم كُذّاب، لكني أبرأ من هؤلاء أيضاً.

أول علاقتك بالصحافة كانت من قمة الهرم رئيساً لمجلة”المعرفة”، وتركتها لمنصب المندوب الدائم للمملكة في “يونيسكو”… أي عصا سحرية تملكها وأي التوصيات السلطانية تقتنيها؟

– أنا في الحقيقة أملك”عصا”في يدي وأستخدمها، لكنها لسوء الحظ ليست سحرية! العصا السحرية تتشكّل في يدك عندما تكون قادراً على تحديد قراراتك بوضوح وبعزم لا ينحني لإغراءات وضغوط محيطة تأتي من كل صوب، فتشتّت عليك هدفك الذي ستنجح فيه.

القدرة على توضيب نفسك للمكان الملائم هي العصا السحرية، مع عدم إغفال التوفيق من الله الذي يسوق لك الحظ للوصول في اللحظة المناسبة للمكان المأمول.

بعد الصحافة الورقية والعوالم الديبلوماسية… ألا تفكر بصحيفة إلكترونية لتجمع المجد من أطرافه؟

– ظننت أن المجد أكبر بكثير من مجرد امتلاك صحيفة إلكترونية أو قناة فضائية. المجد في تحقيق نجاح مختلف، ليس نجاحاً اعتيادياً بل نجاحاً استثنائياً.

هنا يكمن الفرق بين النجاح والمجد. عندما يتحقق النجاح الاستثنائي، سواءً أكان في صحيفة ورقية أم إلكترونية أو في عمود صحافي أو كاريكاتير استثنائي فهذا مجد، وينطبق هذا المعيار”المَجدي”على كل شؤون الحياة.

مواصفات مندوب”اليونيسكو”

لو تركت”يونيسكو”الآن.. فمن ترشح من السادة والسيدات السعوديات كي يكمل مسيرتك ويضيء المشعل الذي توّهج في أيامك؟

– لن أُرشّح اسماً، بل خمس مواصفات تناسب العمل، خصوصاً في المنظمات الدولية، وعلى رأسها ألا يكون من الموظفين من طائفة”خطابنا وخطابكم”، أو ممن لا يعمل إلا” وفق التوجيهات”، أو ممن يتردد في المشاركة والتعبير عن رأيه بسبب”خصوصيتنا”، أو ممن يبني علاقاته واتصالاته مع ممثلي الدول الأخرى بناء على فكرة واحدة مفادها أننا”مستهدفون ومحسودون”.

وأخيراً: ألا يكون من أولئك الذين كي يهربوا من مطاردة الخصوصية لهم، أصبحوا موفدين لبلادنا، لكن”لا طعم لهم ولا لون ولا رائحة”!

التحرير الأصغر الذي قدت لواءه في”يونيسكو”لفلسطين… كيف تحمّلت العداء الذي أمطرت به السموات عليك؟

– لا أحب لعب دور”البطل”المستهدف من الأعداء والمتربصين، على رغم أني أدرك أن ثقافة المجتمعات العربية تؤصل فكرة مفادها أن الناجحين هم المستهدفون.

ولذا أصبح المثقف”العادي”إذا أراد أن يثبت أنه”مميز”يشيع دوماً أنه مستهدف وتصله رسائل تهديد، وكاد أن يودع السجن مراراً!

عودة إلى موضوع فلسطين في”يونيسكو”، أفتخر بأني أسهمت بدور معقول في تلك المعركة الانتخابية الشرسة واللذيذة في آن.

مساهمتي في نجاح المعركة اعترفت بها فلسطين والدول العربية وكثير من الدول الغربية والشرقية، وعلى رغم هذا فما زالت علاقتي مع جميع سفراء الدول التي صوتت”مع أو ضد”طيبة وإيجابية، ولم أبنِ عداوات مع أحد منهم، على الأقل في ما يظهر لي!

”يونيسكو”.. لم لا نشعر بها في الداخل أكثر؟

– لن أرفض توجيه هذا السؤال إليّ، لكني أتحفظ على توجيهه إلي وحدي، فالسؤال عن وجود”يونيسكو”داخل السعودية يوجه إلى جهات ثلاث، أنا آخرهم.

أما الأول فهي اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، والثاني هو الإعلام السعودي، أما السؤال عن حضور السعودية داخل “يونيسكو”فيوجه إلى الجهات الثلاث نفسها، ولكن بالعكس، إذ هنا أكون أول من يُسأل.

مالذي أفسدته عليك”يونيسكو”عبر مشوارك معها؟

– أفسدتْ عليّ ما كان فاسداً في ذائقتي وفي رؤيتي الإقصائية للثقافات الأخرى!

كل كتاباتك قصيرة.. لكنها تمنحنا حيرة طويلة.. من أنموذجك الكتابي؟

– أعجبني توصيفك”الكتابات القصيرة التي تمنحنا حيرة طويلة”، وأتمنى أن تكون مقالاتي حققت بالفعل هذه المعادلة الفائقة النجاح.

أما حكاية مقالاتي القصيرة فسأسوقها كالتالي: حين بدأت الكتابة كانت مقالاتي الأولى قصيرة، وحاولت تمطيطها حتى تكون أكثر وجاهة فما استطعت.

ثم قلت إنه مع الوقت ومع زيادة تمرّسي واحترافي للكتابة ستتمطط مقالاتي تلقائياً.

لكن هذا لم يحصل حتى بعد مرور أعوام من الكتابة، باستثناء مقالتين أو ثلاث فقط. عندها أدركت أن الله خلق الحديث المكتوب على مثل الحديث المنطوق، فيه من يطيل الثرثرة وفيه من يقتضب، وكلاهما يقول فكرة واحدة، أما التمييز بينهما فيكمن في جمال السرد، سواءً أطال أم قصر.

وكنت أخجل من مقالاتي القصيرة بصفحة الرأي في صحيفة”الحياة”، لكن خجلي تلاشى عندما رأيت مقالات بعض جيراني في الصفحة المقابلة من الصحيفة والذين تشبه مقالاتهم الكبسولة الصغيرة المليئة بالفيتامينات!

الربيع العربي

الفقر أم غياب الحريات.. أيهما هو عود ثقاب”الربيع العربي”؟

-الفقر حال مرَضيّة طارئة تمر بالمجتمع أو بالأسرة ويُفترض أن تُشفى منها عندما تحين اللحظة الاقتصادية العادلة بمعناها الإنساني لا المثالي. عندما تغيب الحريات يتحول الفقر إلى وباء مزمن وعصيّ على العلاج.

هذه الرؤية الدامجة بين الحقوق والحريات جعلت من المتعذر على محللي وفاحصي الربيع العربي أن يعلّقوه في رقبة الحرية أو في رقبة الفقر، الربيع العربي يحتاج إلى أكثر من رقبة!

كيف ترى المجتمع السعودي من الخارج، أما زلنا نغرق في شبر ماء؟

– كنا نغرق في شبر ماء ولا أحد يقول شيئاً أو يعترض أو يترحّم على الغرقى. الآن لو غرق مواطن في البحر لا أحد يسكت.

الكل يتكلم و يعترض وينتقد، القول أصبح متاحاً ومشرعاً.. لكن بقي العمل.

إذا لم نحقق تحوّلاً حقيقياً وليس شفوياً، فسيأتي وقت نغرق فيه في”رشفة”ماء!

لماذا نست أوروبا مشكلاتها.. ونحن من مباراة كرة قدم نذكر كل شيء؟

-أوروبا تناست ولم تنس مشكلاتها، وهذا مما يمتدح للإنسان الأوروبي الأكثر واقعية من الإنسان العربي.

لكن هذه القدرة في تغليب المصالح على العواطف ليست نتائجها دوماً تستحق المديح، فآثارها على مستوى المجتمع الصغير سلبية ومؤثرة، خصوصاً في منظومة العائلة.

باختصار، الغرب ضحّى بالعائلة من أجل الدولة، العرب يضحون بالدولة من أجل العائلة.

وما يزال البحث جارياً عن نظام سياسي واقتصادي حديث يكفل متانة الدولة وتماسك العائلة في آن.

لا تحب ساعات الدوام الوظيفية وتفخر بأنك نصف موظف.. هل تنتابك المزاجية كثيراً؟

– عندما قلتُ يوماً بأني نصف موظف لم أكن أقصد فوضويتي وعدم انضباطي في الدوام، بل كنت أقصد عدم انضباطي الصارم بالقوانين الصامتة والصلدة إذا رأيتها ستعوقني عن تحقيق أهداف المهمة التي لأجلها وُضعت في ذلك الموقع الوظيفي.

عندي مزاجية منضبطة، ليست المزاجية التي تحثّني على الغياب عن العمل يومين أو ثلاثة دونما سبب، أو أصدر قراراً مفاجئاً دونما مبرر، أو أوبّخ وأهمّش موظفاً دونما حق، بل المزاجية التي تجعلني أقدّم للعمل”فكرة”ليست مدرجة في دليل العمل، وليست مألوفة لدى المراقبين. يجب أن يكون لدى كل موظف هامش معقول من المزاجية حتى لا يتحول إلى آلة أو ماكينة.

كونك غير مصنف.. حاولت كل الأطراف إما استمالتك أو عداءك، كيف تصارع تلك الاتجاهات؟

– حتى أحافظ على امتياز”عدم التصنيف”يجب أن أحافظ على مسافة واحدة مع كل الأطياف، وهذا يعني أن أصارعها كلها من دون استثناء، أو ألا أصارعها كلها أيضاً.

كنت أعي أن مصارعة واحد من هذه التيارات سيستهلك وقتاً وجهداً وصدقية وأخلاقاً فكيف بـ”عدالة”مصارعتها كلها! ثم إن مجرد مبدأ الصراع والمصارعة لا يستهويني منذ طفولتي، لكني أبقيت فقط على شيء بسيط من الاستعداد للمصادمة مع من يريد أن يصادر حريتي أو يقولبني.

لكن حتى هذه المصادمة لها عندي حدود وضوابط تحميني من الوقوع في فخّ الهبوط مع الطرف الآخر، والمستعد للهبوط أصلاً!

أي ذنوبك تلك التي تتأخر في الاستغفار منها؟

– أتأخر في الاستغفار من الذنب الذي أتردد في تصنيفه، هل هو ذنب أم لا؟ ثم ما ألبث أن أتذكّر عزة الله وجلاله وعظمته فأستغفره توقيراً وتقديساً وتنزيهاً، فأشعر بأن استغفاري صار تسبيحاً.

وأي حماقاتك لا تلبث أن تكررها؟

– ارتكاب الذنوب، قبل الاستغفار وبعده.

نفسك الأمّارة بالسوء.. متى تلجأ إليها؟

– عندما أريد ارتكاب ذنب غير مبرَّر.

ونفسك اللوامة متى تكره حضورها إليك؟

– إذا قررت عقد صفقة مع نفسي الأمّارة!

مقصرون في حق أبي

أبوك اسم في الخريطة السعودية.. ألا تشعر أنك وإخوتك مقصرون في تقديم هذا الرمز في الشكل الذي يليق به؟

– مقصّرون؟ لا شك مقصرون، أحياناً من باب النزاهة في عدم استغلال مواقعنا الصحافية والكتابية في” تلميع”أبي، كما سيفسره الناس.

وأحياناً أكثر بسبب الكسل والمماطلة. لكن لحسن الحظ أنه تم خلال هذين العامين إصدار أهم كتابين يمكن أن يصدرا عن أديب وشاعر كبير مثل أبي، الأول:”الأعمال الشعرية الكاملة لعبدالله بن إدريس”الذي صدر العام قبل الماضي وتشرفتُ بالإشراف على إصداره.

والثاني:”السيرة الذاتية.. قافية الحياة”الذي صدر وسيوزع في معرض الرياض للكتاب، و أشرف على إصداره شقيقي الأكبر إدريس الدريس.

وأرجو أن نستكمل مع بقية إخواني الأوفياء متابعة إصدار النتاج الثقافي لهذا الأب الرؤوم.

غياب الأخوات لديك كيف استثمرته مع بناتك الأربع، وكيف حدد علاقتك مع الأنثى؟

– عشت النصف الأول من حياتي مع إخواني الأربعة، ثم عشت النصف الثاني منها مع بناتي الأربع!

ووجدت الفارق كبيراً بين”الخلطتين”في نوعية الأحاديث والحاجات والاهتمامات وردود الأفعال.

ليست المقارنة هنا في أيّ الفترتين أكثر انسجاماً أو سعادة، فكلاهما أعطاني نكهة مختلفة من السعادة. لكن المقارنة في كيفية إدارة الخلطتين.

أخشى أني أصبت بناتي وزوجتي أيضاً، بضرر أو حيف بسبب أني لم أتعرف على عالم المرأة إلاّ متأخراً، باعتبار أن أمي لم تكن امرأة.. بل كانت”أمي”!

حفيدك الأول هل منحك شيئاً مغايراً عن الابن والابنة؟

– مهمات الوظيفة والزواج ثم إنجاب الأبناء، نصنّفها كلها بوصفها استكمالاً لدورة الحياة وبرنامج عملها مع البشر.

وحده الحفيد الذي تحس بأنه ربح إضافي فائض على رأس المال! حفيدتي الأولى”لمياء”منحتني حياة جديدة.

الزوج السلفي

أيهما تفضل لابنتك زوجاً.. السلفي أم الليبرالي؟

– أفضّل لها الزوج”المسلم”الذي يوقّر السلف لكنه لا يزدري الخَلَف.

ما دام أنك أعدتني إلى ثنائية السلفي والليبرالي فسأعيدك إلى ما سبق أن قلته في حوار مع هذه الصحيفة في تاريخ 1-4-6002 عن ثنائيتي التي ارتضيتها لنفسي حين قلت:

“أما وقد اشتهيت التصنيف، فسأقول لك إنني إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير.. لأنني أؤمن بأن الإسلام”محتوى”فكري، والليبرالية”أداة”للتفكير”، وسأرتضي لبناتي الزوج الذي يوقّر السلف ولا يزدري الخلف.

لو تقدم زياد الدريس لخطبة ابنتك.. هل ستوافق عليه؟

– سأسأل عنه أصدقاءه ومعارفه، وأظنني لن أقبل به بسرعة!

السؤال الذي يتكرر.. ماذا بعد “يونيسكو”، هل ستعود للوظيفة الحكومية أم ستتخطفك الشياطين هنا وهناك؟

– لم أحسم أمري بعد.

لكن الذي آمله ألا أعود للعمل الحكومي ولا حتى الخاص، ولكن لن أسمح للشياطين أن تتخطفني.

هذا ما آمله بصدق، لكن يغير الله من حال إلى حال.

الأجندة الإيرانية مهدّدة… والليبرالية تعيش أزمة حقيقية

< يذكر الدكتور زياد الدريس”أننا نحن في زمن لم يعد الفوز فيه محصوراً على أجندة واحدة فقط، كما كان الحال في ما مضى.

وعلى رغم أن المقارنة بين الأجندتين الصينية و الإيرانية لا تستقيم في هذا الشكل، إلا أنه يمكن القول بأن الأزمة التي تعيشها إيران من داخلها تمنع التكهن بوجود أجندة إيرانية متكاملة ومهددة لمن حولها.

أما الأجندة الصينية فهي اقتصادية بامتياز، تهدف إلى إغراق الأسواق، لكنها لا تشكل تهديداً ثقافياً للهوية، على الأقل على المدى القريب، فهي تقدم للعالم منتجات استهلاكية مرغوبة ومطلوبة، لكنها تحظى في ذات الوقت بكراهية وازدراء من المستهلكين أنفسهم، على عكس المشاعر الإيجابية التي كانت مصاحبة للمنتجات الغربية”.

وحول الليبرالية ومايحدث لها فيرى ضيفنا أن الحديث عنها يطول، لكن يمكن القول باختصار:”أن الليبرالية تعيش أزمة حقيقية الآن، ليس فقط في العالم العربي أو الإسلامي بل في كل العوالم، والسبب يكمن في شكل أساسي في تزايد المدّ الديني وشغف الأجيال الجديدة باستعادة الهويات الصغرى بعد أن أضاعت العولمة ملامح الإنسان المتنوعة”.

ويضيف،”هذه المراجعات الروحية والوجدانية جعلت جيل الشباب الآن يبدو أكثر التصاقاً بالقبيلة والعائلة، ما يعني إعطاء الظهر لليبرالية التي قامت على أساس الحرية الفردية المطلقة، أي المفاصلة بين الفرد والأنماط الاجتماعية القديمة”.

مع”السلفية”… لا إكراه في الوطنية

لو استقبلت من أمرك ما استدبرت.. هل ستكتب مقالتك عن السلفية؟

– يهيئ الله للكاتب أن يكتب في حياته عشرات أو مئات المقالات، لكن يبقى يتذكر ويذكّره الآخرون بمقالة أو اثنتين أو ثلاث منها من بين كل ما كُتب. أقول هذا لأخبرك بأن عندي حتى الآن مقالتين طوال 30 عاماً من الكتابة، أبقى فخوراً بهما وبانتظار المقالة الثالثة الأثيرة التي ستأتي بإذن الله خلال الأعوام المقبلة! أما المقالتان الأثيرتان لديّ فهما، مقالة:”أردت السلام على النبي ولم أرفض السلام على الأمير”ومقالة:”السلفية.. هل هذا وقتها؟”.

وقد أثبتُّ هاتين المقالتين في كتابي الذي سيصدر في معرض الرياض للكتاب هذا الأسبوع بعنوان:”لا إكراه في… الوطنية”أوَ تسألني بــعد ذلك إن كنتُ نادماً على كتابة مقــالة”السلفية”؟ وبالمناسبة، فأنا أتعــمد كما تــرى أن أضع”السلفية”بين قوسين حتى أذكّر الناس عن أي سلفية كنت أتحدث.

مندوب المملكة في “اليونسكو” لا يجيد السياسة ويمارس اللعب بالنار… وولد وفي فمه “شوكة” من ذهب! . زياد الدريس لـ “الحياة” : انتصرت “شياطيني” على “ملائكة” القراء فنجحت !

صحيفة الحياة

الثلاثاء, 04 ديسيمبر 2007

خالد الباتلي

أصعب شيء أن تبدأ مشوارك من القمة، حينها لن تستمتع بالصعود كثيراً، ستظل في تحد في أن تحافظ على القمة التي تسكنها… زياد الدريس جاء إلى الدنيا ووجد كل القمم حواليه، أبوه علم في الأدب والمكانة، وأخوه فارس في الصحافة، وأصدقاء ومعارف هنا وهناك، يسكن كل منهم قمته… ولأنه مع القمم فقد استقى من كل قمة أجمل مزنها وصنع لنفسه قمة تليق به.

حياته كلها تحد، وهو يعشق الصعاب دائماً… له خلطة سرية لا يصل لشفرتها أي احد… بل إن حمضه النووي يكاد يكون الأشهر بين الأحماض كلها… يحمل المفاجآت في حله وترحاله… ترك بصمة هنا وصفعة هناك، وزرع وردة هنا وحصد أشواكاً هناك… شخصية لا تملك إلا أن تحترمها وفي الوقت نفسه لا تملك إلا أن تختلف معها. تسكنه تفاصيل مجنونة وفوضى تثير كل الجدل وتقوده إلى دقة تتنافس مقاييس الجاذبية بأنواعها على الفوز بها.

في «اليمامة» ولد كاتباً وفي «المعرفة» مارس الصحافة النخبوية، ومن خلالهما اختط طريقاً للصحافة المتخصصة، ليكون عرابها الأول هنا… وها هو الآن يحط رحاله في باريس، ليقود الوفد السعودي هناك في اليونسكو، ولم يكمل سنة في عمله حتى بدأ الحصاد الدولي للانجازات السعودية هناك.

من مسقط رأسه «حرمة» اخذ التعايش، ومن الرياض استقى الالتزام، وفي بيروت تنفس الحرية، وفي بريدة تداوت قدمه، ومن ماليزيا عرف التسامح، وفي موسكو أصبح سوسيولوجياً وفي باريس تحمل المسؤولية… الحوار مع الدكتور زياد الدريس يكاد يكون أندر من الكبريت الأحمر… لكن لأنها «الحياة» أبى إلا أن يمنحها بعضاً من وقته لنقف معاً على شرفات طالما انتظرنا أن يطل علينا منها.

> محطة «اليونسكو».. هل كانت مفاجأة في طريقك العملي؟

– نعم، كانت مفاجأة مخيفة في البداية، ثم تحولت إلى مفاجأة سارة عندما اقتحمت بحار المنظمة، وآمل بأن أخرج منها وأعود إلى بلدي في الوقت المناسب، قبل أن تتحول عليّ إلى مفاجأة ضارة!

> مجالات منظمة اليونسكو تتطابق تماماً مع تخصصك واهتماماتك: تربية – ثقافة – علوم – إعلام، هل هي مصادفة، أم حسن اختيار؟

– من منطلق التواضع، أفضّل أن أقول إنها مصادفة. لكن لا تنس.. تنقصني السياسة، وقد تسيّست اليونسكو أخيراً بالذات!

العاجي والداجي و…أنا

> في تجربتك الإعلامية… هل في البدء كانت الكتابة أم الصحافة؟

– بدأت الكتابة قبل 25 عاماً بالضبط، في مجلة «اليمامة». وبدأت الصحافة قبل 15 عاماً، واحترافياً عبر مطبوعة ثابتة مجلة «المعرفة» قبل عشر سنوات فقط. وبالتالي يمكنك أن تعرف هل في البدء كانت الكتابة أم الصحافة عندي!

وحتى تجربتي في مجلة «المعرفة» كانت تجربة كتابية أكثر مما هي تجربة صحافية بالمفهوم الاحترافي للصحافة اليومية. فمجلة «المعرفة» كانت مجلة شهرية أولاً، وثانياً كانت مجلة نخبوية تعنى بالملفات والقضايا الشمولية، أكثر من اهتمامها بالخبر والتغطية والتحليل، وهذا هو ما ألبسها لبوس المطبوعة النخبوية.. سواء شاء بعض قرائها أم أبى بعضهم الآخر!

وقد كنت أتصدى بقوة لمحاولات تصحيف أو صحففة «المعرفة»، وإنزالها من برجها «العاجي» إلى برجها «الداجي»، كما يريد لها بعض القراء الذين لم يتمكنوا من الصعود إليها.

> عشر سنوات في مجلة «المعرفة».. هل حققت فيها كل ما تريد؟

– عندما وافقت على رئاسة تحرير «المعرفة» عام 1417هـ – 1996 كان ذلك تحدياً أمام نفسي قبل أن يكون أمام القراء، فهم لم يعهدوني ولم أعهد نفسي محرراً في أية صحيفة من قبل، ثم فجأة أصبح رئيساً للتحرير!

خضت التجربة وأنا لم أكن أعرف بعد مصطلحات أساسية للعمل الصحافي اليومي مثل: الديسك والبلوبرنت واللاي آوت والاشتراك والتوزيع والرجيع.. والقهوة التركية والتدخين والشتائم (لحسن الحظ الثلاث الأخيرة من دليل Manual العمل الصحافي لم أتعلمها حتى الآن!).

أعترف أني حتى الآن ما زلت أجهل بعض آليات العمل الصحافي اليومي بالذات، لكني أفتخر بأني شاركت مع زملائي في صنع مطبوعة شهد لها كثيرون على مدى عشر سنوات بالنجاح والتميز.

المعرفة والحرية الخطرة

> هل توافق على أن هامش الحرية الذي أعطي لـ »المعرفة» هو أحد أهم أسباب نجاحها حينذاك؟

– أوافق تماماً، لكني أتحفظ على أن مساحة الحرية تلك قد وُهبت لنا، ولماذا لم توهب لغيرنا؟ نحن أخذناها بأيدينا، وبوعينا بالتوازنات والحسابات التي يجب أن نفطن إليها، وإلا فسنقع في شر أعمالنا ونتمنى لو عدنا إلى مبدأ السلامة التي يزاولها كثير من رؤساء التحرير، قناعة منهم بأن بقاءهم على رأس مطبوعة فاترة مدة أطول خير من بقائهم على رأس مطبوعة ساخنة مدة أقصر! «للأسف» كنت وما زلت مؤمناً بالشطر الثاني من المعادلة.

استطاعت «المعرفة» عامي 1417هـ و1418هـ أن تغير الصورة النمطية الجامدة للمطبوعات الحكومية، وأن تكسر الهيبة المصطنعة لكبار المسؤولين والوزراء، وأن تتحاور معهم حواراً صريحاً غير معهود في الصحافة السعودية، مثل حوارنا مع وكيل وزارة المعارف سابقاً الأمير خالد بن فهد بن خالد، وحوارنا مع وزير التربية والتعليم آنذاك الدكتور محمد بن أحمد الرشيد، الذي ما كان لنا أن نتجاوز حدود الحرية الصحافية المألوفة لولا فتحه الأبواب لنا للتجريب.

وكم كانت من الحكايات والهواتف المثيرة والقصص، المؤلمة والمضحكة، بسبب ذلك التجريب، لكنها انتهت كلها على خير وزالت أعراضها الآن، لكن ملفات أعداد «المعرفة» تلك ما زالت في الرفوف وفي الأذهان محفوظة. ولا أنسى الاتصال الهاتفي من رئيس تحرير صحيفة «البلاد» حينها الأستاذ قينان الغامدي يستأذن في نشر حوار «المعرفة» مع الدكتور محمد الرشيد، بوصفه حواراً مغايراً للسائد. وسعدت بالطبع بذلك الطلب، ونشر الحوار بالفعل على صفحة كاملة من الصحيفة.

ثم انتقل قينان الغامدي رئيساً لتحرير صحيفة الوطن السعودية في أول إنشائها، واستلمت حينها صحيفة «الوطن» راية الحرية الجديدة في الصحافة السعودية. ثم انتقلت الراية بعد ذلك إلى ملحق «الرسالة» تحت إشراف الدكتور عبدالعزيز قاسم آنذاك. (والراية هنا ليست واحدة فقط، بل توجد منها نسخ كثيرة لمن يريد أن يستلم واحدة أخرى!).

> في تجربتك مع مجلة «المعرفة»… هل انتصرت شياطينك على ملائكتك؟

– انتصرت شياطيني على ملائكة القراء.. وانتصرت شياطين القراء على ملائكتي، هذا في حال الأعداد الساخنة والمثيرة، أما في حال الأعداد الهادئة والساكنة من المجلة فقد حدث العكس .. والحمد لله!

> هامش الحرية، كيف يستفيد منه الكاتب من دون أن يسقط في فخ الرقابة، من واقع تجربتك الكتابية؟

– لحسن حظي أن المطبوعات التي كتبت فيها بصفة رسمية ثابتة كان لديها هامش حرية كافٍ لحماية كتاّبها، بل ولإعطائهم مساحة رحبة يجربون فيها اللعب بالنار (نار الكلمات)!

بدأت عام 1402هـ (1982) في مجلة «اليمامة» وكان حينها رئيس التحرير الدكتور فهد العرابي الحارثي يكتب مقالاته بصورة تجعل الرقيب يردد دوماً: «إذا كان ربّ البيت بالدف ضارباً… إلخ البيت الراقص! وانقطعت عن الكتابة المنتظمة ثم عدت بالكتابة في صحيفة «الوطن»، وقد تحدثت عنها وعن عرّابها قينان قبل قليل، ثم انقطعت مرة أخرى – ولا أظنها الأخيرة! – حتى عدت قبل أشهر قليلة من خلال صفحة الرأي في صحيفة «الحياة» (ولن أمدحها ما دمت في ربوعها الآن، فمنذ بدأت لم تشطب من مقالاتي سوى كلمة واحدة قبل ستة أسابيع!!).

وقد كنت دوماً مؤمناً أن الكتّاب والصحافة لديهم مساحة كافية من حرية الرأي والنشر غير مفعّلة. ومردّ ذلك أن بعض الكتّاب ورؤساء التحرير حين يعلم – بقوة إطلاعه، أو قوة أضلاعه! – أن الخط الأحمر على بعد مترين من قلمه، فإنه لا يحرك قلمه سوى مسافة متر واحد فقط، من باب درء المصائب، مع أنه يدرك أنه يستطيع أن يقترب حتى متر ونصف المتر، ومتر وثلاثة أرباع المتر، ومتر وتسعة أعشار المتر، لكنه يطبق مبدأ درء المفاسد خير من جلب المصالح، وهي بالمناسبة في الغالب تكون مصالح أو مفاسد شخصية أكثر مما هي وطنية أو مجتمعية.

عراب الإعلام المتخصص

> الإعلام المتخصص في السعودية… هل أنت عرِّابه؟

– لن أزعم بأنني عرّابه، لكنني سأزعم بكل ثقة – وبشهادة كثيرين كتبوا وقالوا – أن مجلة المعرفة هي عرّاب الإعلام المتخصص في المملكة، ثم انطلقت بعدها التجارب الأخرى من مختلف التخصصات والقطاعات. يجب أن نتذكر هنا للإنصاف أن مؤسسة روناء للإعلام المتخصص كانت شريكاً أساسياً في ذلك النجاح والريادة.

لكنني لا أريد أن ننشغل كثيراً بالحديث عن ريادة وعرابة  «المعرفة» ، أريد أن نتحدث عن مستقبلها والتشارك سوياً، سواء من هم فيها الآن أم من هم معها دوماً – في ضمان استمرار «المعرفة» مميزة وحاضرة بوصفها «صوت الثقافة التربوية في العالم العربي» كما وضعناه شعاراً وهدفاً لها يوم إعادة إصدارها قبل 11 عاماً.

خصوصاً أنها ستحتفل العام المقبل بإذن الله بمرور 50 عاماً منذ تأسيسها على يد الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز – يرحمه الله –

> بعد هذه الرحلة مع الصحافة والكتابة، هل تسمي نفسك صحافياً أم كاتباً؟

– أولاً: أنا ما زلت شاباً – أو أعدّ نفسي كذلك -، وتجربتي في الصحافة والكتابة أقصر من أن تسمى «رحلة»، يمكن أن تسميها «كشته» إن كان لابد من التسمية!

ثانياً: لا يحق لي أن أسمي نفسي شيئاً، لكني أتمنى أن أتسمى عند الناس لاحقاً كاتباً.. لا صحافياً.

الكتابة الساخرة

> أنت مصنف ضمن «الكتّاب الساخرين»، هل الكتابة الساخرة موهبة تتأتى للكاتب، أم هي صنعة يستحضرها الكاتب عند بدء الكتابة؟

– السخرية موهبة، لكنها ليست كافية وحدها لإنتاج كتابة ساخرة، إذ لابد لهذه الموهبة من شيء من الصنعة حتى تحبكها في المكان والعبارة المناسبة. كما أن الصنعة وحدها ليست كافية لصنع كتابة ساخرة، إذ هي تنتج في الغالب كاتباً يجتهد في أن يكون كاتباً ساخراً فيفاجأ بأنه أصبح كاتباً مسخوراً منه!

ولذا تجد الكتّاب الساخرين قلّة في الصحافة العربية، من أمثال: علي سالم – صافيناز كاظم – حمد الماجد – جهاد الخازن (سابقاً، قبل أن يصبح متخصصاً في شؤون المحافظين الجدد) – عبدالعزيز السويد – جعفر عباس – عبدالله بخيت – سمير عطا الله (إذا تبسّط) – مشعل السديري (مدى الحياة) – خالد القشطيني -. هذه الأسماء المعدودة على الأصابع خرجت من بين مئات الأصابع التي تلتوي على القلم كل يوم في الصحافة العربية.

> لكن بعض أصدقائك وقرائك يشعرون بأن جرعة السخرية انخفضت في مقالاتك في صفحة الرأي في صحيفة «الحياة» أخيراً، هل هذا الشعور صحيح أم وهم؟

– بل هو شعور صحيح مئة في المئة، فأنا تخصصت في الآونة الأخيرة في كتابة مقالات ثقيلة دم! وقد شرحت مسوغات هذه المرحلة الكتابية التي يفرضها الموقع الكتابي و»البطانة» المحيطة، في مقالي «لغز كتّاب الرأي» في هذه الصحيفة بتاريخ 26/9 /2007.

> والدك عبدالله بن إدريس أديب وشاعر، وشقيقك إدريس الدريس صحافي وكاتب.. متى أحسست بأنك في لهاث للحاق بهما؟

– لم أحس بذلك أبداً، لأن والدي الفاضل وأخي العزيز – حفظهما الله – كانا دوماً يحملانني معهما منذ دخلت المضمار الذي يركضان فيه، ولذا لم يشعراني يوماً بأني أركض خلفهما، أو أنني في لهاث للحاق بهما، فأنا في معيتهما دوماً، محمولاً على أكف الأب الحاني والأخ الناصح.

> منذ طفولتك وأنت تقضي العطلة الصيفية مع أسرتك في بيروت أو القاهرة أو لندن، ما أتاح لك الفرصة لتحقيق تجربة معرفية منذ وقت باكر. هل تعتقد أنك ولدت وفي فمك معلقة من ذهب؟

– لا ليست ملعقة، لكنها أيضاً ليست سكيناً، أستطيع أن أقول لك إني ولدت وفي فمي «شوكة» من ذهب!

فحظي في هذه الحياة وسط بين الملعقة بمفهومها المانح، والسكين بمفهومها الذابح. أحياناً أشعر بأن الفرص المتاحة أمامي أكبر من حظي المتاح للنجاح فيها، وأحياناً أخرى أشعر بأن حظي في النجاح والتميز أكبر من الفرص التي تتاح لي.

الليبرالية والصحوة والخصام عليّ

> الصحوة الإسلامية كادت تستولي على كل تفاصيلك، لكنك لم تستسلم لها كلياً، ما معادلتك في التعامل معها؟

– نشأت في بيئة منزلية كان يوجد فيها التدين والانفتاح جنباً إلى جنب، ولم نكن حينذاك نرى تناقضاً بين التدين والانفتاح كما يراه المجتمع الآن. أبي كان شاعراً رومانسياً وخريج شريعة في الوقت ذاته، ولذا لم نكن نتأخر عن أداء الصلاة مع الجماعة في المسجد، وبالمثل لم نكن نتردد في قضاء الإجازة الصيفية في بيروت (يوم كانت بيروت بيروت!).

هذه الثنائية المنسجمة التي أورثناها أبي الإمام/ الشاعر، جعلت الصحوة – عندما هبت رياحها – ليست جديدة علينا بالكلية، ولذا لم نشعر تجاهها بصدمة حضارية أو انقلاب ديني. وبالمثل عندما خفت صوت الصحوة واتهم كل أتباعها بالإرهاب، وأصبحت الليبرالية هي ملاذ الخائفين، لم ننتكس على أعقابنا وننسلخ من الدين، لأن الليبرالية أيضاً والانفتاح ونقد الذات وقبول الآخر لم يكن كل ذلك جديداً على بيتنا، ولذا لم يُحدث فينا هذا التحول صدمة أو انقلاباً لا دينياً هذه المرة! ثم أكرمني الله بأن تزوجت «أم غسان»، وهي قصيمية.. لكنها من عنيزة، فتواصلت عندي ثنائية الدين والدنيا معاً! فشكراً لوالدي ووالدتي العظيمين ولأسرتي الكريمة، والشكر لله أولاً وآخراً.

> الكل يعتبرك محسوباً عليه: الإسلاميون والليبراليون، هل هذا ذكاء منك أم غباء منهم؟

– هو ذكاء منك وغباء مني لو أجبتك على هذا السؤال الملغوم!

> لكنك قلت مقولة على صفحات «الحياة» قبل عام مضى اشتهرت في الوسط الثقافي بأنك: «إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير»، فهل أنت إسلامي أم ليبرالي؟!

– قلت هذه العبارة رداً على سؤال تصنيفي مثل سؤالك الآن. ولأني كنت وما زلت أرفض التصنيف القطعي الذي يُبنى على قانون «أنت معي أم ضدي»، فقد أجبت بالقول إني إسلامي الفكر.. وليبرالي التفكير، لأني أؤمن أن الإسلام محتوى فكري، وأن الليبرالية أداة التفكير، وقد بيّنت حينها ما أعنيه بذلك. وإن كان لا بد من أن تصنفني فلتجعلني في حزب الوسط، الذي يؤمن ويأمل بالتوافق بين فصائل المجتمع وأطيافه، وتوافقي معك لا يعني بالضرورة اتفاقي مع كل آرائك وتوجهاتك… مثلما أن اختلافي عنك لا يعني خلافي معك.

> بعد الجامعة اتجهت للمستشفى التخصصي للعمل، ولكنك لم تستمر فيه طويلاً، يشاع أنك تركته بسبب الفتنة وعدم انسجام مشروعك الإسلامي مع البيئة هناك.. ما تعليقك؟

– درءاً للفتنة.. تركت المستشفى التخصصي وجئت إلى باريس!

المسألة بكل تجرد وشفافية، أني كنت سعيداً ببيئة العمل «الراقية» وبطبيعة العمل الذي أزاوله مساعد باحث في أمراض الأطفال الوراثية (الأيضية). لكن طبيعة شخصيتي لم تكن تنسجم مع دوام يومي يبدأ من الثامنة صباحاً حتى السادسة أو السابعة مساءً… مدى الحياة! لم أكن ملزماً أو مضطراً للاستجابة لهذا الانغماس في وظيفة تشغلني عن وظائف حياتية اجتماعية أخرى، خصوصاً عندما بدأ فيروس الكتابة ينهش جسدي بقوة.

> أنت تكره البيروقراطية وتجاهر بكرهها، وألّفت كتاباً كاملاً ساخراً منها، إلا أن من مارس العمل معك وجدك مرتمياً في أحضان البيروقراطية نفسها أحياناً؟

– هل تريدني أن أرتمي في أحضان الموظفين؟! بنزعاتهم وشطحاتهم التي تضر بالعمل أحياناً.

البيروقراطية «أحياناً»، كما قلت في سؤالك، ضرورة لا بد منها لتحسين جودة العمل، وإلاّ تحولت بيئة العمل إلى صالة ألعاب.

البيروقراطية الإدارية الممقوتة هي التي تضع إجراءات ليس من شأنها ضمان جودة العمل، بل ضمان جودة الإجراءات، حتى لو كانت تلك الإجراءات لن تؤدي إلى جودة العمل.

والبيروقراطية المالية المزرية هي التي لا تمنع الموظف «اللص» من السرقة، لكنها تمنع الموظف «المخلص» من العمل خوفاً من أن يتهم بالسرقة!

سن اليأس

> حصلت على الدكتوراه في سن متأخرة، ما الذي دفعك للسعي إليها بعد هذا العمر؟ هل لديك هدف محدد؟

– نعم.. سعيت إلى الدكتوراه لتحقيق هدف محدد، وهو أني في دراستي الجامعية كنت في حقل العلوم. وعندما عرفت أن طريقي العملي قد تحول نحو حقل الثقافة، كان لابد من أن أبحث عن وسيلة فعالة لبناء قاعدة منهجية في المعرفة الثقافية، بعيداً عن القراءات الفردية الحرة. وعندما تعرفت على تخصص «سوسيولوجيا الثقافة»، وهو تخصص حديث وجديد في الأروقة الأكاديمية، بحثت عن المكان المناسب لدراسته، بحثت عن التخصص المناسب وليس البلد المناسب، ولما قيل لي إنه موجود في روسيا وأميركا، لم يكن اسم أميركا مدهشاً لي مثلما كان اسم روسيا، وقلت لم لا أغامر؟.. وفعلت.

أما عن الدكتوراه في سن متأخرة، فأنا بدأت الدراسة في موسكو وعمري 38 عاماً (أي قبل سن اليأس.. من الدراسة بعامين!) لكني انتهيت لسوء الحظ بعد سن اليأس (45 الآن!). أقول هذا وأنا أعجب من الشكوك التي تثار دوماً ضد من يحصلون على الدكتوراه بعد سن الأربعين، وأنهم لم يسعوا إليها إلا لأغراض شخصية، وكأن دكاترة العرب الآخرين ضحوا بأموالهم وأوقاتهم للحصول على الدكتوراه من أجل الآخرين.

نحن أكثر أمة تردد شعارات الدعوة إلى الاستمرار في طلب العلم.. من المهد إلى اللحد، .. ولو في الصين، لكنها تتحول إلى شعارات مثالية عند المحك.

سأضع أنا عنواناً بهذه الإشكالية: عند الرجال في بلادي… الأربعون هي سن اليأس من الدراسة!

> ما الذي تعلمته من تجربتك الدراسية في روسيا؟

– تعلمت أني يجب أن أتعلّم حتى لو كان الوقت متأخراً. وتعلمت أن التنويع المعرفي والثقافي هو كنز تفتحه بيدك، لا بيد الآخرين. وتعلمت أن المغامرة باقتحام تجربة جديدة ومغايرة للسائد والمألوف لذة لا تنتهي بنهاية المغامرة، بل تدوم وتدوم! وتعلمت أن فتح النوافذ المغلقة منذ زمن، قد يجلب بعض الغبار والخشاش المتربص على أطراف النافذة المهجورة، لكنه سيجلب بعد ذلك لغرفتي هواء إضافياً وضوءاً أكثر وجاراً جديداً.

على الصعيد العلمي، تعلمت نمطاً آخر من صناعة الأسئلة وتخليق الرؤى والاتجاهات في مجال الدراسات الإنسانية، خصوصاً في مجال تخصصي.

«سوسيولوجيا الثقافة». تعلمت من بيتريم سوروكين وقوميلوف وآزدرويانتس وفيودروفنا، ما لم أكن لأتعلمه لو لم أغامر بالذهاب إلى موسكو.

تعلمت في موسكو كنه الفلسفة، ما لذّ وطاب.. وما شذّ وعاب فيها، وكنت قبل ذلك، مثل كثير من الشباب السعودي، لا أعرف من الفلسفة سوى اسم «أرسطو» الرنان، وقد كنت أظنه من الأساطير! تعرفت أيضاً على بوشكين وليرمنتوف وجوجول وتشيخوف وتولستوي وغوركي أكثر من أي وقت مضى.

تعرفت في موسكو على جزء يسير مما سبق أن ذكرته من فسيفساء الثقافة الموسكوفية، وهي أكبر وأوسع من أن يحيط بها إنسان في وقت محدد ومتأخر كالذي أتاحته لي الظروف.

> أطفالك.. عاشوا لفترة في روسيا والآن في باريس، هل تشعر بأنهم ضحوا من أجلك أم أنهم كسبوا من ورائك؟

– لا أريد أن أتباكى أمام المسؤولين والقراء وأقول بأني ضحيت بأولادي من أجل كذا وكذا. أستطيع أن أستشف من خلال نقاشاتنا المنزلية عند الحديث عن تجربة موسكو أو تجربة باريس الآن أنهم سعداء بالتجربتين، وسيتلمسون جدواها أكثر في مستقبل الأيام بإذن الله. ووالدتهم بلا شك لها دور أكبر من دوري في استيعاب أولادنا للتجربة – ولا أقول الصدمة – الحضارية المتنوعة, ستصبح تضحية بهم لو أني أُصبت – لا قدر الله – بفيروس التنقل الذي يصيب العاملين في القطاع الديبلوماسي.. أعانهم الله.

الديبلوماسية المؤبدة

> أنت تعيش الآن تجربتك الأولى ديبلوماسياً، ما متطلبات الديبلوماسية؟

– هناك متطلبات كثيرة وصارمة للديبلوماسية، لن أتناولها الآن، بل ربما سأكتب عن التجربة عموماً لاحقاً بإذن الله، ولكني سأعطيك ما يحلو لك من المتطلبات الآن:

– المديح المستمر، وعدم ذم ما يستحق الذم.

– التذوق الاضطراري أحياناً لأطباق الشعوب في حفلات الاستقبال «المؤبدة»!

– إلزامية الضحك على النكت «البايخة» في حفلات الاستقبال!

هذا هو رأيي «غير الديبلوماسي» في الديبلوماسية! أما رأيي الديبلوماسي فكما قلت سأرجئه إلى حين.

لكني أؤكد هنا بأن مما سيسهم في إثراء هذه التجربة الجديدة لي، هو العمل بجوار زملاء أكفاء من الديبلوماسيين السعوديين في باريس، وعلى رأسهم الصديق الدكتور محمد بن إسماعيل آل الشيخ سفير خادم الحرمين الشريفين لدى فرنسا. وأيضاً الزملاء سفراء الدول العربية لدى منظمة اليونسكو.

> بلدة «حرمة» المنزوية في إقليم سدير من نجد، خرج من رحمها شاعر الحب الشهير/ ابن لعبون، وأمين رابطة العالم الإسلامي الدكتور عبدالله التركي، والأديب الشاعر عبدالله بن إدريس، وجرّاح القلب الماهر الدكتور محمد الفقيه، والمطرب الأوبرالي شادي الخليج، ماذا تعني لك «حرمة»؟ وهل أنت مع موجة استجلاب الأصول الإقليمية والقبلية؟

– ولدت ونشأت ورزقت في مدينة الرياض، هذا إنصاف لا بد من أن أقرّ به لمحبوبتي «الرياض». لكن أبويّ وأجدادي نشأوا في حرمة، وأسرتي تنتسب إلى حرمة، فهذا رباط جذري لا ضرورة لإهماله، لكن لا ضرورة أيضاً لإشهاره كل حين وكأننا في سباق «مزايين بشر»!

«حرمة» على رغم صغرها، إلا أنها كبيرة  وأثيرة عندنا ومؤثرة عند غيرنا، ولعل الأسماء التي أشهرتها في سؤالك تنبئ عن شيء من التميز والتنوع الذي عرفت به «حرمة» منذ زمن طويل.

بقي من حرمة عند جيلي ذكريات وحكايات، من أبرزها العداوة الفكاهية مع «المجمعة»، كحال أي بلدتين متجاورتين! هل تريد أن تسمع آخر هذه التندرات، عندما عُينت سفيراً للمملكة لدى «اليونسكو» هنأني أحد المعارف برسالة جوال قال فيها: «عقبال ما يعينوك سفيراً لحرمة لدى المجمعة».. ولك أن تفسرها كما يحلو لك!

…اهتمام وطني متزايد بـ «اليونسكو»

منظمة اليونسكو هي ثاني منظمة دولية من حيث الأهمية والفعالية بعد هيئة الأمم المتحدة، وهي الثانية ليس لاعتبارات تاريخية أو اقتصادية أو عرفية، بل هي كذلك لأنها المنظمة التي تعنى بأربعة ملفات تهم البشرية، وتحركها سلباً أو إيجاباً ، هي الثقافة والتربية والعلوم والاتصال. وإذا كانت اليونسكو مهمة من قبل، فهي الآن – في عصر العولمة والإرهاب وصدام الحضارات – أكثر أهمية، والغياب عنها وتهميشها أكثر خطورة.

فأميركا بذاتها التي كانت انسحبت من اليونسكو منذ عشرين عاماً، لم تجد بدّاً من أن تعود إليها عام 2003 بقوة وزخم، وأجندة مكتنزة بملفات ورؤى جاءت أميركا بها إلى «اليونيسكو» بعد أن أدركت أن الهيبة العسكرية والهيمنة الاقتصادية والنفوذ السياسي لم تكف لتمرير المواقف الأميركية لدى الدول والمجتمعات، فكان لا بد من تجريب النفوذ الثقافي والتربوي والعلمي القابع في «اليونيسكو» على مختلف البقاع والبشر.

الحضور والنفوذ العربي ما زالا هشين وضعيفين، لأن المندوب العربي يرى مندوبي الدول الأخرى يتخذون القرارات ويصوتون على الاتفاقات وهو ما زال ينتظر منذ أشهر التعقيب على خطابه الذي أرسله إلى بلده العربي مرفقة به مسودة الاتفاق أو القرار لإبداء الرأي حيالها.

سأكون متجنياً لو لم أقل إن الحال في بلدي (السعودية) أفضل بكثير من بعض البلدان العربية والإسلامية الشقيقة، خصوصاً أخيراً. هناك اهتمام وطني متزايد باليونسكو، هناك تسارع في التجاوب، هناك المزيد من الدعم المادي والمعنوي، ألمس هذا التغاير بين أول مجيئي إلى المنظمة والآن. لكن هذا لا ينفي حاجتنا إلى المزيد من الاهتمام، لأجل وطني الحاضر دولياً.. ولأجل اليونيسكو المنظمة الإنسانية التي شارك في التوقيع على ميثاقها التأسيسي قبل أكثر من ستين عاماً الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.

مزيد من الاهتمام بهذه المنظمة نأمله دوماً، خصوصاً بعد فوزنا أخيراً في انتخابات المجلس التنفيذي، وتبوئنا مقعداً نافذاً في المنظمة لمدة أربع سنوات مقبلة، تخولنا المساهمة بشكل أكثر فعالية في الإفادة من إمكانات المنظمة وخبراتها، وفي المشاركة في صنع القرار الحضاري داخلها إلى جانب الثقافات العالمية الأخرى.

ها هي مدائن صالح الآن تحت الإجراء لتسجيلها على أنها أول موقع سعودي أثري على لائحة التراث العالمي، وها نحن الأسبوع المقبل تحديداً سنحتفل داخل المنظمة على شرف الأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، وفي حضور المدير العام للمنظمة كوتشيروا ماتسورا، بإطلاق برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في منظمة اليونسكو، وهو عرس اللغة العربية في المنظمة.

لقاء صحيفة الحياة ..

لحسن حظ «المعرفة» أن الوزير أحد قرائها فلا قلق عليها …

زياد الدريس لـ«الحياة»: اختاروني لأنني نصف مثقف ونصف موظف!

الاربعاء, 01 مارس 2006

الرياض

يرى مندوب السعودية الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) زياد بن عبدالله الدريس أن وجود «ليبرالي دائم» أو ليبرالي مدى الحياة هو خرافة، لا تنسجم مع طبيعة المزاج الإنساني المتقلب، والمميز بطبعه.

وعلى رغم تحفظه على مسألة تصنيف المفكرين والمثقفين، إلا أنه يعتبر نفسه «إسلامي الفكر، ليبرالي التفكير». ويعتقد الدريس، الذي شغل خلال السنوات العشر الأخيرة منصب رئيس تحرير مجلة «المعرفة»، التي تصدرها وزارة التربية والتعليم، أن كونه «نصف مثقف، ونصف موظف»، ربما كان وراء قرار توليه منصبه الجديد. ويشير في هذا الصدد إلى أن الجدلية بين الموظف والمثقف ليست خاصة بالوسط الثقافي العربي فقط، بل هي جدلية عالمية، تتبنى فرضية المزاجية والعبثية والانفرادية عند جميع المثقفين، وهي فرضية تحاكي طبيعة الإنسان المتمرد داخل المثقف، الذي قد يعترف بالإنتاجية غير المزاجية، لكنه حتماً لن يعترف بقانون الانضباط والالتزام الإداري!

يذكر أن الدريس يستعد لنيل درجة الدكتوراه من جامعة موسكو التربوية الحكومية، وكان حصل على الماجستير من الجامعة نفسها عام 2002 في موضوع «سوسيولوجيا الثقافة»، وصدر له كتابان هما «محيط العطلنطي – مذكرات بيروقراطي بالنيابة» عام 2000، و«حكايات رجال» عام 2004، وانضم أخيراً إلى كُتَّاب صفحة (الرأي) في «الحياة».

وفي ما يأتي مقابلة سريعة أجرتها «الحياة» مع زياد الدريس (44 عاماً) لمناسبة توليه منصب مندوب السعودية لدى (اليونيسكو):

الذي يتابع مقالاتك ومواقفك الثقافية يحتار في تصنيفك إن كنت إسلامياً أم ليبرالياً؟

– أولاً، هل لا بد من حكاية التصنيف والفرز هذه، بآلياتها المميزة، «الناس شهود الله على أرضه» في تقويم جوانب الخير والبر عند الإنسان بمعزل عن التصنيف الحزبي. التصنيف الشمولي للناس مهمة ربانية موكولة إلى الله عز وجل (ليميز الله الخبيث من الطيب).

أما وقد اشتهيت التصنيف، فسأقول لك إنني: إسلامي الفكر… ليبرالي التفكير، لأنني أؤمن بأن الإسلام هو «محتوى» فكري، والليبرالية «أداة» للتفكير، فلا يمكن أن يكون المسلم مسيحياً أو اليهودي مسلماً، لأن هذا سيعني تناقضاً في الجمع بين محتويين متغايرين، لكن يمكن أن يكون الليبرالي مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، ويمكن أن يكون المسلم ليبرالياً أو غير ليبرالي، وكذلك المسيحي واليهودي.

ومثلما أن المسلم قد يتخاذل أحياناً عن الانضباط بالمحتوى الذي ارتضاه، فإن الليبرالي بالمثل قد يتخاذل أحياناً عن الانضباط بالأداة التي ارتضاها في طريقة تفكيره، فيصبح دوغماتياً قمعياً أحادياً في التفكير، وعندها تصبح الليبرالية بالنسبة إليه مجرد شـــعار يدعيه، فلا ينطبق عليه الا عندما يطبقه.

ولذا فإن وجود «ليبرالي دائم» أو ليبرالي مدى الحياة هو خرافة، لا تنسجم مع طبيعة المزاج الإنساني المتقلب، والمميز بطبعه.

هناك فرضية تتردد كثيراً، مفادها أن المثقفين لا يجيدون إدارة الشؤون الثقافية، وأن «الموظف» أنسب من «المثقف» لإدارة مؤسسات العمل الثقافي، فهل ستصبح مثقفاً أم موظفاً في مكتب منظمة اليونسكو في باريس؟

– هذه الجدلية بين الموظف والمثقف ليست خاصة بالوسط الثقافي العربي فقط، بل هي جدلية عالمية، تتبنى فرضية المزاجية والعبثية والانفرادية عند سائر المثقفين، وهي فرضية تحاكي طبيعة الإنسان المتمرد داخل المثقف، الذي قد يعترف بالانتاجية غير المزاجية، لكنه حتماً لن يعترف بقانون الانضباط والالتزام الإداري!

من هنا كان الاحتفاء دوماً بالقلة من المثففين، الذين أجادوا دورهم كموظفين في المؤسسات الثقافية، بعد أن تخلصوا من ضغوط «كائن المثقف» في دواخلهم!

لحسن الحظ إنني نصف مثقف ونصف موظف، ولذا ربما كان اختياري لهذا الموقع!

مجلة «المعرفة» تربطك بها علاقة حميمة منذ أن أمسكت رئاسة تحريرها إبان إعادة إصدارها قبل عشر سنوات. هل تظن الآن انها في مأمن من قلق ريح تقتلعها!

– أمضيت في «المعرفة» عشر سنوات (1417-1427هـ)، أعدها من أثرى تجاربي الحياتية، والوظيفية خصوصاً. شكلت تلك التجربة بالنسبة إليّ نقلة نوعية في مسار علاقتي بالثقافة والإعلام، وأظن أيضاً إننا صنعنا منها – أنا وزملائي في التحرير – نقلة نوعية في مجال الثقافة التربوية، وفي مجال المطبوعات التي تصدر عن جهات حكومية.

القلق الذي سمعته من كثير من الأصدقاء ومن محبي «المعرفة» عليها، لا أظنه مبرراً بالحجم الذي سمعته من اقتلاعها أو تهميشها، قد يغشاها تغير في مسارها ولغتها بما ينسجم مع رؤى رئيس التحرير الجديد، وهو أمر طبيعي يحدث لكل مطبوعة، كما يحدث لكل طبخة. ولأن أهم الحماة والمدافعين عن المطبوعة هم قراؤها، فإنه لحسن الحظ أن وزير التربية والتعليم المشرف العام على «المعرفة» د. عبدالله العبيد هو أحد قرائها… فلا قلق عليها.

هل ستعود لرئاسة تحرير «المعرفة» بعد عودتك من اليونسكو؟

– أنا مدين لوزير التربية والتعليم السابق الدكتور محمد الرشيد بأنه وضعني في «المعرفة» في الوقت المناسب، ومدين للدكتور عبدالله العبيد بأنه نقلني من «المعرفة» في الوقت المناسب، فعشر سنوات كافية لرئاسة تحرير مطبوعة واحدة!!