أخبار

إقامة حفل وداع لزياد الدريس في اليونسكو ومنحه الميدالية الذهبية للمنظمة

أقامت المجموعة العربية في اليونسكو والوفد الدائم للمملكة العربية السعودية في المنظمة حفل وداع للسفير المندوب الدائم السابق للمملكة العربية السعودية لدى اليونسكو، زياد بن عبد الله الدريس، بحضور المديرة العامة للمنظمة إيرينا بوكوفا، وحشد كبير من السفراء والدبلوماسيين لدى اليونسكو والجمهورية الفرنسية وعدد من المثقفين، في مقر المنظمة بباريس يوم الاثنين 23 يناير/كانون الثاني الجاري.

وكان الدريس قد أنهى في يوم 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي فترة عمل امتدت لعشر سنوات وكانت حافلة بالكثير من الفعاليات والأنشطة والمبادرات، ليس في ما يخص الحضور السعودي فقط بل والحضور العربي أيضا. وقد أبرزت السيدة  إيرينا بوكوفا ذلك إذ عدّدت في كلمتها الإنجازات الكثيرة التي اضطلع الدريس بدور أساسي في تحقيقها ودعمها وإبرازها، إذ استطاع تكوين صورة استثنائية لسفير دولة لدى اليونسكو. وأكّد هذه الشهادة رئيس المجموعة العربية، سفير لبنان لدى اليونسكو، خليل كرم الذي ذكر في كلمته أن المجموعة ستفتقد البعد الثقافي الحقيقي والحس الدبلوماسي الأصيل اللذين كان يتعامل بهما الدريس مع القضايا العربية. وأشاد خصوصاً بمبادرته بتأسيس احتفالية اليوم العالمي للغة العربية.

وفِي خطوة ملفتة، ألقى سفير إيران لدى اليونسكو أحمد جلالي كلمة زاخرة بعبارات الثناء والإعجاب بالسفير السعودي المغادر وقدرته الفذة على التواصل مع الجميع بانفتاح متوازن وملحوظ. وأشاد بخدمته للقضايا الإسلامية في المنظمة من دون التصادم مع الآخر. وألقى سفير هولندا ليونيل ڤير كلمة أكد فيها أن زياد الدريس لم يكن معنياً بالقضايا العربية والإسلامية فحسب، كما قد يظن البعض، بل كان ممثلاً للإنسانية جمعاء. وقد تجلت هذه الخصلة، حسب السفير الهولندي، في مواقف كثيرة من أهمها المبادرة الدولية التي يجب أن تُسجل باسم السفير الدريس في استصدار قرار بشأن ثقافة الاحترام، اعتمدته منظمة اليونسكو العام الماضي بالإجماع بعد مساعٍ ومفاوضات مع الأطراف والتوجهات المختلفة امتدت لعام ونصف.

ثم تحدث زياد الدريس معبّراً عن امتنانه لكل الكلمات اللطيفة، وشكر القيادة الحكيمة لبلاده على الدعم المتواصل الذي لقيه طوال فترة عمله. وعرض صورتين له التقطت إحداهما في عام 2006 والأخرى في عام  2016 وقارن بينهما بطريقة طريفة أضحكت الضيوف. واختتم الدريس حديثه بقصيدة كتبها لليونسكو حظيت بإعجاب الجميع. ثم قرأ ترجمتها إلى الفرنسية السفير المندوب الدائم لفلسطين لدى اليونسكو، الياس صنبر، الذي كان قد ترجم القصيدة بنفسه.

وفِي ختام الحفل، أعلنت المديرة العامة عن منح السفير زياد الدريس ميدالية اليونسكو الذهبية، التي تُمنح عادةً لرؤساء الدول، تثميناً لجهوده النوعية إبان فترة عمله. ومُنح السفير أيضاً شهادة نادي الدبلوماسيين بالمنظمة للسبب ذاته.

ومن الجدير بالذكر، أن لزياد الدريس دورا هاما في إنشاء ومتابعة برنامج الأمير سلطان بن عبد العزيز لتعزيز اللغة العربية في اليونسكو. وجرى بفضل هذا البرنامج تنشيط الكثير من وسائل عمل المنظمة ومنها البوابة العربية لليونسكو على الإنترنت والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي للمنظمة باللغة العربية.

لبنان يكرّم الدريس… تقديراً لدوره في احتفالية اليوم العالمي للغة العربية

لبنان يكرّم زياد الدريس…

 تقديراً لدوره في احتفالية اليوم العالمي للغة العربية

باريس – «الحياة»

الإثنين ٢٣ ديسمبر ٢٠١٣

منحت جمهورية لبنان الدرع التقديرية إلى المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى «يونيسكو» الدكتور زياد الدريس تقديراً لجهوده في تأسيس الاحتفالية الدولية باليوم العالمي للغة العربية، التي صدر في شأنها قرار المجلس التنفيذي لمنظمة «يونيسكو» في تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٢.

وجاء منحه الدرع اللبنانية التقديرية بقرار سامٍ من الهيئة العليا للجنة الوطنية اللبنانية، ونيابة عن رئيس اللجنة البروفسور هنري العويط قام بتسليم الدرع السفير اللبناني لدى «يونيسكو» الدكتور خليل كرم، وذلك أثناء احتفالية اليوم العالمي للغة العربية في مقر «يونيسكو» الأربعاء الماضي ١٨ كانون الأول (ديسمبر).

وكان الدريس أثناء توليه منصب نائب رئيس المجلس التنفيذي لـ«يونيسكو»، تابع بصفة شخصية الطلب العربي إلى المجلس التنفيذي بطلب استصدار قرار بتفعيل يوم ١٨ ديسمبر للاحتفاء باللغة العربية إحدى اللغات الرسمية الدولية. وتولى الدريس من موقعه في المجلس مطاردة مسودة القرار وحشد الدعم له بين أعضاء المجلس قبيل التصويت عليه بالإجماع أثناء جلسة التصويت على القرار، وتابع الدريس دعمه للقرار بعد اعتماده مباشرة، إذ أعلن في كلمته بعد التصويت توليه الإشراف على الاحتفالية الأولى في ١٨ ديسمبر ٢٠١٢، وتمويلها من خلال «برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية».

وبعد أن تم انتخاب الدريس مطلع هذا العام لمنصب رئيس الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية، كان أول إجراء قام به هو وضع احتفالية يوم اللغة العربية على رأس أجندة تنمية الثقافة العربية، إيماناً منه كما صرّح حينها «بأن اللغة ركن أساسي من الثقافة، وسبب في تقدمها أو تأخرها»، كما قام من موقعه بمخاطبة وزراء الثقافة والتعليم العرب يطلب منهم تفعيل الاحتفالية في الدول العربية كافة، من خلال الوزارات المختصة والجهات الأكاديمية والتعليمية، ونشر برامج ومشاريع الاحتفاء بها في المدارس والجامعات والمعاهد ووسائل الإعلام، إضافة إلى جهود الجهات السياسية والعلمية والثقافية.

من جانبها، كانت فلسطين كرمت زياد في أيلول (سبتمبر) الماضي، وذلك تقديراً للدور الديبلوماسي المؤثر الذي أسهم به في حشد الدعم للتصويت لعضوية فلسطين في منظمة «يونيسكو» نهاية العام ٢٠١١. والذي انتهى بالموافقة على انضمام فلسطين كعضو كامل العضوية في المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو)، وتسلم الدريس ميدالية الاستحقاق من فخامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

المقالة الثالثة لزياد الدريس

صحيفة الحياة

الأربعاء, 2 أبريل 2013

أسامة أمين

في المقابلة التي أجرتها صحيفة”الحياة”مع سفير المملكة لدى الـ”يونيسكو”الدكتور زياد الدريس، في شهر آذار مارس 2013، كشف عن نيته كتابة مقالة ثالثة خلال الأعوام المقبلة، يكون لها نفس تأثير مقالتيه اللتين كانتا حديث المجتمع لفترة طويلة، ولم يمسحهما الزمن، حتى الآن على الأقل.

وأرى أن خبر توليه رئاسة الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية لم يحظ بالأهمية التي يستحقها، لأن ذلك بمثابة إعلان عن نهاية الأحكام المسبقة عن المملكة، فإذا كانت منظمة عالمية بوزن”اليونيسكو”تضع مواطناً سعودياً على رأس هذه الخطة الطموحة، فإنه من المؤكد أنها لم تكن لتفعل ذلك لو كانت الأحكام المسبقة ما زالت المهيمنة على الصورة، من أمثال الخيمة، والنفط، والجمل، وبعثرة الدولارات، بل ترى أن هذه الدولة جديرة بأن تأخذ بيد العالم العربي إلى الأمام، من دون التخلي عن ثوابته. وإذا كانت المملكة، ممثلة في شخص سفيرها زياد الدريس، أصبحت جديرة في نظر العالم، بالعمل على تحقيق هدف عملاق يتمثل في تنمية الثقافة العربية، والذي يشمل”العمل على تطويرها، بما يخدم الثقافة الإنسانية الحديثة”، فإنني أكتب ما أتوقّع أن يصدر عن الدكتور زياد الدريس قريباً، وليس بعد سنوات، مع الاعتراف بأنني لا أملك قلمه القادر على التعبير عن أعمق الأفكار ببساطة وسلاسة، ولا أعرف ابتكار الكلمات مثلما يفعل، فأرجو التجاوز عن هذا القصور.

رسالة إلى كل عربي وعربية: العروبة أيها السيدات والسادة ليست بتراً للصلة بما قبلها من حضارات، بل هي تدين لما سبقها من أمم وثقافات بالكثير من أصولها وركائزها، حتى الجزيرة العربية، التي انطلقت منها لغة الضاد لم تكن غارقة في مياه الخليج، قبل أن يسكنها العرب، بل كانت هناك حضارات منذ الألف الخامس قبل الميلاد، وشهد الكثيرون في معرض آثار المملكة، الذي طاف عواصم العالم، تاريخاً لم نكن نأبه به طويلاً، وأرى أنه آن الأوان أن نتصالح مع هذا التاريخ، كما تصالحت مصر مع تاريخها الفرعوني، من دون أن يقلل ذلك من إسلامها وعروبتها، وكما فعلت العراق وسورية ولبنان والأردن، وغيرها من الدول، الحضارات تكمل بعضها بعضاً، والانتماء للعروبة لا يعني البراء من سواها. وهذا هو الدرس الأول.

على رغم الارتباط الوثيق بين العروبة والإسلام، فإن العرب من غير المسلمين ليسوا أقل عروبة من المسلمين، وليسوا دخلاء على هذه الأمة، وليسوا عملاء للغرب بيننا، هم مواطنون كاملو المواطنة، وشهدنا صدق عروبتهم في القدس وغيرها، حين فضّلوا استمرار معاناتهم مع إخوانهم المسلمين، على أن يهنأوا بطيب العيش في أحضان المحتل، وقائمة الأسماء التي قادت الدفاع عن الحق العربي طويلة، ولا تقل نسبة الأبطال بينهم عن نسبة المسلمين الذين لا يبخلون على أوطانهم بالغالي والنفيس، وإذا كان ذلك ينطبق على المسيحي، فمن السفه أن نقلل من ولاء الشيعي أو غيره، طالما هو مواطن عربي، أي أن العروبة لا تسعى للإقصاء، بل تستوعب كل أبنائها. وهذا هو الدرس الثاني. العروبة ليست رديفاً للتخلف والتمسك بالماضي، نكاية في العالم الحديث، فإذا كان علماء العرب استطاعوا في الدولة العباسية وغيرها أن يستوعبوا علوم عصرهم، ثم يتفوقوا على أساتذتهم، ويبتكروا علوماً جديدة، لأنهم كانوا واثقين بأنفسهم، فلا يخشون من قراءة كتاب فلسفة، ولم يمنعهم حياؤهم وتقواهم من دراسة الجسم البشري وتشريحه، ولم تمنعهم رؤية سطيحة للدين من إيثار السلامة، وتفضيل الجهل على الخوض في علوم، قد تكتنفها بعض المحاذير، لذلك آن الأوان أن نصبح أمة علم ومعرفة، ولا نكتفي من جوائز نوبل بفرعي السلام والأدب فحسب، بل نخوض مجالات الطب والكيمياء والفيزياء والاقتصاد، ولا يجوز أن يكون عدد الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم منذ عام 1901م وحتى الآن واحداً فقط لا غير.

وإذا كنا تناولنا في كتبنا طوال القرن الماضي مسائل اللغة والبلاغة وكتب الأولين، فقد جاء الدور على الاهتمام بعلوم العقل والابتكار، لا علوم النقاشات والاجترار. وهذا هو الدرس الثالث.

إذا وجدت رجلاً يقتحم بيتك، ويطرد أهلك، ويسكن دارك، فلا ترفع سيفك وتقتله، بل عليك أن تذهب إلى الشرطة، وتحرر محضراً، ويصل الأمر إلى القضاء، فيحكم القاضي، ويرتضي الجميع حكمه، أو يستأنفه، حتى يصدر حكماً نهائياً، يلتزم به الجميع، لأن مبدأ دولة القانون لا يعطي الإنسان الحق في أن يصبح القاضي والجلاد، لأن من اعتدى عليك قد يكون في الأصل ضحية، طرده والدك من بيته، الذي كان يسكنه مع أهله، والفرق بين اللجوء للقضاء، واللجوء للسيف هو الفاصل بين شريعة الغابة وشريعة الحق. وهذا هو الدرس الرابع. وأخيراً إن النظر للمنظمات العالمية باعتبارها عدواً، يظلم العرب في القضية الفلسطينية، ويرفض حماية الأديان، من اعتداءات السفهاء، ولا يساند المسلمين في ميانمار، وفي الصين، وفي روسيا، وغير ذلك كثير من الاتهامات لهذه المنظمات، وما تسببت فيه من كراهية ونفور وإدارة الظهور لها، تبيّن أنه الاستراتيجية الخاطئة، اما التعامل مع هذه المنظمات باللغة التي تفهمها، والرد على الحجة بالحجة، يحقق المعجزات، كما حدث في اليونيسكو، وهي أول منظمة تابعة للألم المتحدة تعترف بدولة فلسطين، أي أن التعامل مع الواقع كما هو، والسعي لتغييره هو الطريق الصحيح، للحصول على القبول من المجتمع الدولي وعلى الحقوق المشروعة. وهذا هو الدرس الخامس والأخير. انتهت المقالة التي لم يكتبها الدكتور زياد الدريس، لكنه ربما يوافق على نشرها من دون أي تعليق.

انتخاب زياد الدريس رئيسا للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية

تهدف إلى التعريف بدور الثقافة العربية في التاريخ الحضاري الإنساني

باريس: «الشرق الأوسط»
جرى مؤخرا انتخاب زياد بن عبد الله الدريس، مندوب المملكة الدائم لدى اليونيسكو، رئيسا للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية، التي تنفذها أمانة منظمة اليونيسكو بالتعاون مع المجموعة العربية لدى اليونيسكو والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، وكافة المنظمات والمؤسسات المختصة. وتندرج هذه الخطة في إطار الحوار بين الثقافات، وتعتبر برنامجا يجمع التخصصات المشتركة بين القطاعات الرامية إلى ترسيخ المفاهيم الحضارية والثقافية في الدول الأعضاء في منظمة اليونيسكو.

تهدف الخطة الدولية إلى التعريف بدور الثقافة العربية في التاريخ الحضاري الإنساني وإبراز وتعزيز الحوار البناء بين الحضارة والثقافة العربية والحضارات الأخرى على أساس احترام التنوع الثقافي للشعوب، والمشاركة في التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصال والمعلوماتية والعمل على تطويرها بما يخدم الثقافة الإنسانية الحديثة.

تجدر الإشارة إلى أن الخطة سيتم تنفيذها من خلال ثلاثة عشر نوعا من الأنشطة والتوجهات التي أشارت إليها وثيقة الخطة، ومن أبرزها التنسيق فيما بين المؤسسات والمراكز والهيئات التي تعمل في مجال الإبداع والترويج والإنتاج الثقافي الفكري والعلمي في العالم العربي، إضافة إلى تشجيع المثقفين والمبدعين العرب على الحوار فيما بينهم ومع غيرهم من المثقفين في العالم، وكذلك الإسهام في الترويج للعاصمة الثقافية العربية التي تختارها «الإيسيسكو» والمشاركة في تنفيذ الأنشطة التي تقام في هذا المجال.

يذكر أن الدكتور زياد الدريس الذي اختير لرئاسة هذه الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية، يتسنم في ذات الوقت منصبا دوليا آخر منذ عام 2011، فهو نائب رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونيسكو، كما أنه عضو للجنة القدس بالمنظمة، وأصبح في ديسمبر (كانون الأول) 2012 مشرفا على احتفالية «اليوم العالمي للغة العربية» تقديرا لمبادرته باقتراح هذه الاحتفالية السنوية التي تم إقرارها بالإجماع من لدن كافة الدول الأعضاء بالمنظمة، وقد حصل الدريس في عام 2009 على وسام «سفير السلام» تقديرا لجهوده وإسهاماته في تعزيز ثقافة السلام.

مندوب السعودية يقول : أفسدت “يونيسكو” علي رؤيتي الإقصائية للثقافات الأخرى ! . زياد الدريس : أتأخر في الاستغفار من الذنب الذي أتردد في تصنيفه

صحيفة الحياة

الأربعاء,  5 مارس 2013

خالد الباتلي

قبل ستة أعوام تقريباً عيّن زياد الدريس مندوباً للمملكة في”يونيسكو”وأجريت معه حواراً حينها، وكان لا يزال في سنة أولى”يونيسكو”..

الآن ألتقيه وقد بلغ الدرجات العليا في “يونيسكو”ممارسة ومنصباً وأثراً..

وأنا أتحاور معه شعرت باختلاف كثير، رأيت فيه الموضوعية والتسامح أكثر، ورأيت فيه المفردة المختصرة ذات المعنى الأجمل،

زياد الدريس لا يحب الصحافة والديبلوماسية لأنهما مقترنتان بالكذب عنده وعند آخرين، لذا يحب أن يكون فقط كاتباً، ويبشر بأنها مرحلته بعد مناصب الحكومة والقطاع الخاص..

تأخرت الأنثى بالإطلالة في حياته، إذ لم تكن هناك إلا أمه فقط، وأكرمته الدنيا بصبره هذا بزوجة وأربع بنات يمنحنه ما فات وما هو آت، بل وجاءت أول حفيدة له كأنثى اختصرت المراحل لترى جدها في الـ50، وهو مازال يعشق أنفاس الأنثى حواليه..

زياد عاش بين الروس طالباً فأخذ منهم المطولات والمقعرات والمراهقة ذات الأصالة، وجاء لباريس سفيراً فألزمه المنصب بعقل لا يناسب الباريسية وغوايتها، لكنه يعرف كيف يغوي ويتغاوى. كيف لا؟ وله فلسفة جميلة مع الذنب والاستغفار لا يجيد صناعتها أحد مثله..

كادت”السلفية”أن تقضي عليه، لكن انتصرت له النوايا الحسنة، ومازال قلمه ينبض حبراً، ولا تزال أعماله تنطق سحراً.هو إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير.. لأنه مؤمن بأن الإسلام”محتوى”فكري، والليبرالية”أداة”للتفكير”

لا نحتاج إلى سيرة ذاتية لنعرف بضيفنا اليوم، فهو ابن الصحيفة والصحيفة رحم حروفه وكلماته..

> من هو ورقة بن نوفل الذي آمن بك قبل كل أحد؟

– هو زياد الدريس، إذ كان إنساناً صادقاً ولطيفاً معي طوال علاقتنا المديدة. تعرفت عليه في الصغر ثم توثقت العلاقة بيننا بعد أن كبرنا، نتخاصم أحياناً لكننا لا نلبث أن نعود لصداقتنا من جديد.

أستشيره في معظم شؤوني، لكن هذا لا يعني أني آخذ بمشورته دوماً، فبعضها يكون عاطفياً ومتعجلاً، ولذا ألجأ إلى غيره من الأصدقاء.

في بعض القضايا بالتحديد لا أجازف بأخذ رأيه ولا حتى باستشارته، لأني خبرت خلال الأعوام الطوال من العلاقة بيننا نقاط ضعفه، ولولا الوفاء الذي يتحتم بين الأصدقاء لسردت نقاط ضعفه هذه أمام الآخرين.

أوجه له بهذه المناسبة ومن هذا المنبر الشهير تحية حارة على صدقه ووفائه الدائمين معي، وآمل أن تستمر صداقتنا إلى الأبد.

هل عرفت أخي خالد عمن كنت أتكلم؟ قد تحتاج مثلي إلى العودة، بين كل عبارتين، لقراءة الاسم”أعلاه”. أنا فعلت ذلك!

> أي الثقافات تبت عنها بعد سن الـ40 يوم بلغت أشدك وشادتك؟

– الثقافة الأحادية القائمة على الاعتقاد بأن الحقيقة المطلقة عندي فقط، وأني أنا الأفضل والأجمل في هذا العالم، ولأجل هذا طبعاً فنحن لا ننشغل إلا باعتقادنا أننا مستهدفون ومحسودون.

تحلّلتُ من عقدة أننا الأجمل لكن من دون أن تصيبني عقدة أنهم الأجمل. نعم أنا لا أنفي الاستهداف، لكن ليس بالصورة”الانتعاشية”التي نكررها صباح مساء.

الروسية والفرنسية

> كيف تقوّم علاقتك باللغة الروسية قياساً بعلاقتك باللغة الفرنسية؟

– اللغة الروسية كنت أطاردها وأنا لا أعشقها.. من معهد بوشكين لتعليم اللغة الروسية إلى صحيفة البرافدا، أتهجّى تلك الأحرف الغليظة التي تصنع مفردات تشبه الخبز الروسي الأسمر.

وكنت كلما مررت بكلمة رقيقة في تلك اللغة واستطعمتها وتداولتها بلذة، قيل لي إنها مفردة أصلها فرنسي، تسللتْ من صوالين بطرس الأكبر المتفرنسة.

جئت الآن إلى فرنسا، ووجدتني أمام اللغة التي أعشقها، لكني للأسف لا أطاردها بما يكفي لتبيان هذا العشق.

> أعوام دراستك العليا الروسية.. كيف تعاملت فيها مع التيار الروسي ذي النفس الطويل في الوصف والكتابة؟

– تعايشتُ مع النفَس الروسي الطويل، فمكثت قرابة ثمانية أعوام كي أنجز دراستي العليا.

صحيح أني لم أكن متفرغاً طوال أعوام الدراسة، لكنها كانت مدة كافية لتحدث منعطفاً في حياتي، وتخرجني من صندوق التفكير النمطي. أخذتْ مني الدراسة صفحات”تولستوية”طويلة من القراءة والكتابة.

الحق أنها لم تكن مجرد دراسة أو أطروحة كانت أكبر من هذا بكثير.

> والتحليل.. كيف تآلفت أدباءهم الذين صقلتهم ثلوج سيبيريا وأنت ابن”حرمة”الحارة؟

– مسألة التآلف والتأقلم والتكيف لم تشكّل لي في كل محطات حياتي عائقاً، لن أنسى أني أثناء دراستي بكلية العلوم في سن الشباب، كان درس التكيّف adaptation من أكثر المواد والمواضيع المحببة إليّ.

لأجل هذا لم أجد وعائلتي صعوبة في التأقلم بين الرياض وموسكو وباريس.

> لك قنطرة لا يعبرها غيرك في التعامل مع المصطلحات… لكن يبدو أنها سجنتك!

– أقاتل كل فخ وإغراء كي لا يسجنني نمط واحد من الكتابة، والحكم في النهاية للقراء إن كنت نجحت في الفرار من قيود السجّان أم لا!

لكن هذا الحذر لا ينسيني في المقابل أن لكل كاتب نكهته الخاصة التي ينبغي أن يُعرف بها، إذاً أريد أن أنوّع في الأطباق لكن مع الحفاظ على نكهة مميزة ثابتة.

> بكم تدين للسخرية في الكتابة؟

– أدين لها بعباراتي التي اضطر أحياناً أن أجعلها ملغومة، ولو فككتها لأتلفت ورقتين أو ثلاثاً من الهذر الطويل.

> أي صلة بين علم الحيوان وبين سيسيولوجيا الثقافة.. هل تتبنى مقولة أن الإنسان”حيوان ناطق”؟

– كثيراً ما يلجأ أهل السيسيولوجيا إلى أهل البيولوجيا لتسهيل تفكيك بعض الظواهر المجتمعية.

وقد درست الاثنين وبمحبة الحقلين. هنا في هذا المحك أجد نفسي مستمتعاً بقدر من هذا وذاك، فيكون سمننا السوسيولوجي في دقيقنا البيولوجي!

أرجو ألا يُفهم من كلامي الآنف أني أعني الاكتفاء الذاتي، بل أعني توافر الأدوات الذاتية.

> محطاتك العلمية والعملية.. كم حجم الصدفة فيها من التخطيط المسبق لها؟

– لست من جماعة ستيفن كوفي ولا أجيد العادات السبع ولا العشر، ولست ممارساً في مجال تطوير الذات ولا البرمجة العصبية.

ولست من الذين يقدّمون دورات في كيف تخطط لحياتك في الـ50 عاماً المقبلة.

وأكاد أقول إن 90 في المئة مما حصلت عليه أو صنعته كان من دون تخطيط. أنا هنا لا أمتدح فوضاي ولا أذمّ التخطيط، لكني أريد أن أقول فقط بأن المبالغة في التخطيط.

تجعل الحياة صناعية، مثلما أن المبالغة في العفوية وعدم التخطيط تؤديان إلى الهاوية. ربما بالغت من جانبي في عدم التخطيط، لكن الله لطف وستر.

الشهادات الوهمية

> اعتراف التعليم العالي بجامعة ما، هل هو صكّ غفران للعلم؟

– اطّلعتُ على ما يقوم به بعض المهتمين بمطاردة الجامعات الوهمية وكشف الشهادات المزيفة التي تصدر عنها، وهو عمل مبرر و مقبول.

فمجتمعنا لا يتحمل المزيد من الوهم والتزييف، والذي يقبل بالحصول على شهادة وهمية أو مزيفة يصبح إنساناً قابلاً للتزييف في أي وقت و في أي موضع.

لكن ينبغي التثبّت قبل قذف الناس بالظنون، فالتشكيك في الشهادة تشكيك في الذمة والنزاهة.

كما أني رأيت في أحد المنتديات المعنية بهذه الحملة مَن كَتَبَ يدعو القائمين عليها إلى التفريق بين الشهادات غير المعتمدة من وزارة التعليم العالي والشهادات المزيفة الصادرة عن جامعات وهمية.

وقد أوجز فكرته بالقول إن كل شهادة وهمية يجب ألا تعتمدها وزارة التعليم العالي، لكن ليست كل شهادة لا تعتمدها التعليم العالي شهادة وهمية.

و الفارق هنا أن وزارة التعليم العالي قد لا تعتمد بعض الشهادات بسبب ضوابط و إجراءات تكون إدارية أكثر منها أكاديمية، وتختلف هذه الضوابط بين دولة و أخرى، ما يجعل الشهادة التي لا تُعتمد في بلد تُعتمد في بلد آخر.

المحك الأساسي في الفرز يعتمد على عناصر ثلاثة: أن تكون الجامعة حقيقية ومثبتة ضمن المؤسسات الأكاديمية، وأن تكون الشهادة حقيقية ومعتمدة من مؤسسات رسمية في بلد المنشأ، وأن تكون الأطروحة أو العمل الأكاديمي مستوفياً للشروط العلمية.

ما عدا هذه الضوابط الثلاثة تفاصيل تقع في الشهادات المعتمدة من وزارة التعليم العالي أو في غير المعتمدة.

ويقوم في منظمة”يونيسكو”حالياً برنامج يعمل منذ أعوام على وضع آليات حديثة للاعتماد الأكاديمي تُواكب مستجدات التعليم المفتوح والتعليم عن بعد.

> في رأيك، لم التشفي والحقد ينتشران في مجتمعنا، وبخاصة تجاه من يعمل ومن يبدع في شكل خاص؟

– هذه الظاهرة ليست خاصة بمجتمعنا، بل هي جبّلة كل المجتمعات البشرية، لكنها تزداد ظهوراً أو خفية بحسب وعي المجتمع وقدرته على الإفادة من المحسود بدل التخريب عليه!

> أيهما أقرب لك الصحافي ذو العلاقات الجيدة أم السفير ذو المهارات العالية؟

– لا هذا ولا ذاك، فكلاهما ملموز دوماً بالكذب، الذي يُسمى عند الصحافيين: إثارة، ويُسمى عند الدبلوماسيين: تجمّلا ولباقة.

والأقرب لي هو”الكاتب”الذي يقول الحقيقة للقارئ بأسلوب يمنحه المعلومة و المتعة معاً. لا يغيب عني طبعاً أن بعض الكتّاب هم كُذّاب، لكني أبرأ من هؤلاء أيضاً.

> أول علاقتك بالصحافة كانت من قمة الهرم رئيساً لمجلة”المعرفة”، وتركتها لمنصب المندوب الدائم للمملكة في “يونيسكو”… أي عصا سحرية تملكها وأي التوصيات السلطانية تقتنيها؟

– أنا في الحقيقة أملك”عصا”في يدي وأستخدمها، لكنها لسوء الحظ ليست سحرية! العصا السحرية تتشكّل في يدك عندما تكون قادراً على تحديد قراراتك بوضوح وبعزم لا ينحني لإغراءات وضغوط محيطة تأتي من كل صوب، فتشتّت عليك هدفك الذي ستنجح فيه.

القدرة على توضيب نفسك للمكان الملائم هي العصا السحرية، مع عدم إغفال التوفيق من الله الذي يسوق لك الحظ للوصول في اللحظة المناسبة للمكان المأمول.

> بعد الصحافة الورقية والعوالم الديبلوماسية… ألا تفكر بصحيفة إلكترونية لتجمع المجد من أطرافه؟

– ظننت أن المجد أكبر بكثير من مجرد امتلاك صحيفة إلكترونية أو قناة فضائية. المجد في تحقيق نجاح مختلف، ليس نجاحاً اعتيادياً بل نجاحاً استثنائياً.

هنا يكمن الفرق بين النجاح والمجد. عندما يتحقق النجاح الاستثنائي، سواءً أكان في صحيفة ورقية أم إلكترونية أو في عمود صحافي أو كاريكاتير استثنائي فهذا مجد، وينطبق هذا المعيار”المَجدي”على كل شؤون الحياة.

مواصفات مندوب”اليونيسكو”

> لو تركت”يونيسكو”الآن.. فمن ترشح من السادة والسيدات السعوديات كي يكمل مسيرتك ويضيء المشعل الذي توّهج في أيامك؟

– لن أُرشّح اسماً، بل خمس مواصفات تناسب العمل، خصوصاً في المنظمات الدولية، وعلى رأسها ألا يكون من الموظفين من طائفة”خطابنا وخطابكم”، أو ممن لا يعمل إلا” وفق التوجيهات”، أو ممن يتردد في المشاركة والتعبير عن رأيه بسبب”خصوصيتنا”، أو ممن يبني علاقاته واتصالاته مع ممثلي الدول الأخرى بناء على فكرة واحدة مفادها أننا”مستهدفون ومحسودون”.

وأخيراً: ألا يكون من أولئك الذين كي يهربوا من مطاردة الخصوصية لهم، أصبحوا موفدين لبلادنا، لكن”لا طعم لهم ولا لون ولا رائحة”!

> التحرير الأصغر الذي قدت لواءه في”يونيسكو”لفلسطين… كيف تحمّلت العداء الذي أمطرت به السموات عليك؟

– لا أحب لعب دور”البطل”المستهدف من الأعداء والمتربصين، على رغم أني أدرك أن ثقافة المجتمعات العربية تؤصل فكرة مفادها أن الناجحين هم المستهدفون.

ولذا أصبح المثقف”العادي”إذا أراد أن يثبت أنه”مميز”يشيع دوماً أنه مستهدف وتصله رسائل تهديد، وكاد أن يودع السجن مراراً!

عودة إلى موضوع فلسطين في”يونيسكو”، أفتخر بأني أسهمت بدور معقول في تلك المعركة الانتخابية الشرسة واللذيذة في آن.

مساهمتي في نجاح المعركة اعترفت بها فلسطين والدول العربية وكثير من الدول الغربية والشرقية، وعلى رغم هذا فما زالت علاقتي مع جميع سفراء الدول التي صوتت”مع أو ضد”طيبة وإيجابية، ولم أبنِ عداوات مع أحد منهم، على الأقل في ما يظهر لي!

>”يونيسكو”.. لم لا نشعر بها في الداخل أكثر؟

– لن أرفض توجيه هذا السؤال إليّ، لكني أتحفظ على توجيهه إلي وحدي، فالسؤال عن وجود”يونيسكو”داخل السعودية يوجه إلى جهات ثلاث، أنا آخرهم.

أما الأول فهي اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، والثاني هو الإعلام السعودي، أما السؤال عن حضور السعودية داخل “يونيسكو”فيوجه إلى الجهات الثلاث نفسها، ولكن بالعكس، إذ هنا أكون أول من يُسأل.

> مالذي أفسدته عليك”يونيسكو”عبر مشوارك معها؟

– أفسدتْ عليّ ما كان فاسداً في ذائقتي وفي رؤيتي الإقصائية للثقافات الأخرى!

> كل كتاباتك قصيرة.. لكنها تمنحنا حيرة طويلة.. من أنموذجك الكتابي؟

– أعجبني توصيفك”الكتابات القصيرة التي تمنحنا حيرة طويلة”، وأتمنى أن تكون مقالاتي حققت بالفعل هذه المعادلة الفائقة النجاح.

أما حكاية مقالاتي القصيرة فسأسوقها كالتالي: حين بدأت الكتابة كانت مقالاتي الأولى قصيرة، وحاولت تمطيطها حتى تكون أكثر وجاهة فما استطعت.

ثم قلت إنه مع الوقت ومع زيادة تمرّسي واحترافي للكتابة ستتمطط مقالاتي تلقائياً.

لكن هذا لم يحصل حتى بعد مرور أعوام من الكتابة، باستثناء مقالتين أو ثلاث فقط. عندها أدركت أن الله خلق الحديث المكتوب على مثل الحديث المنطوق، فيه من يطيل الثرثرة وفيه من يقتضب، وكلاهما يقول فكرة واحدة، أما التمييز بينهما فيكمن في جمال السرد، سواءً أطال أم قصر.

وكنت أخجل من مقالاتي القصيرة بصفحة الرأي في صحيفة”الحياة”، لكن خجلي تلاشى عندما رأيت مقالات بعض جيراني في الصفحة المقابلة من الصحيفة والذين تشبه مقالاتهم الكبسولة الصغيرة المليئة بالفيتامينات!

الربيع العربي

> الفقر أم غياب الحريات.. أيهما هو عود ثقاب”الربيع العربي”؟

-الفقر حال مرَضيّة طارئة تمر بالمجتمع أو بالأسرة ويُفترض أن تُشفى منها عندما تحين اللحظة الاقتصادية العادلة بمعناها الإنساني لا المثالي. عندما تغيب الحريات يتحول الفقر إلى وباء مزمن وعصيّ على العلاج.

هذه الرؤية الدامجة بين الحقوق والحريات جعلت من المتعذر على محللي وفاحصي الربيع العربي أن يعلّقوه في رقبة الحرية أو في رقبة الفقر، الربيع العربي يحتاج إلى أكثر من رقبة!

> كيف ترى المجتمع السعودي من الخارج، أما زلنا نغرق في شبر ماء؟

– كنا نغرق في شبر ماء ولا أحد يقول شيئاً أو يعترض أو يترحّم على الغرقى. الآن لو غرق مواطن في البحر لا أحد يسكت.

الكل يتكلم و يعترض وينتقد، القول أصبح متاحاً ومشرعاً.. لكن بقي العمل.

إذا لم نحقق تحوّلاً حقيقياً وليس شفوياً، فسيأتي وقت نغرق فيه في”رشفة”ماء!

> لماذا نست أوروبا مشكلاتها.. ونحن من مباراة كرة قدم نذكر كل شيء؟

-أوروبا تناست ولم تنس مشكلاتها، وهذا مما يمتدح للإنسان الأوروبي الأكثر واقعية من الإنسان العربي.

لكن هذه القدرة في تغليب المصالح على العواطف ليست نتائجها دوماً تستحق المديح، فآثارها على مستوى المجتمع الصغير سلبية ومؤثرة، خصوصاً في منظومة العائلة.

باختصار، الغرب ضحّى بالعائلة من أجل الدولة، العرب يضحون بالدولة من أجل العائلة.

وما يزال البحث جارياً عن نظام سياسي واقتصادي حديث يكفل متانة الدولة وتماسك العائلة في آن.

> لا تحب ساعات الدوام الوظيفية وتفخر بأنك نصف موظف.. هل تنتابك المزاجية كثيراً؟

– عندما قلتُ يوماً بأني نصف موظف لم أكن أقصد فوضويتي وعدم انضباطي في الدوام، بل كنت أقصد عدم انضباطي الصارم بالقوانين الصامتة والصلدة إذا رأيتها ستعوقني عن تحقيق أهداف المهمة التي لأجلها وُضعت في ذلك الموقع الوظيفي.

عندي مزاجية منضبطة، ليست المزاجية التي تحثّني على الغياب عن العمل يومين أو ثلاثة دونما سبب، أو أصدر قراراً مفاجئاً دونما مبرر، أو أوبّخ وأهمّش موظفاً دونما حق، بل المزاجية التي تجعلني أقدّم للعمل”فكرة”ليست مدرجة في دليل العمل، وليست مألوفة لدى المراقبين. يجب أن يكون لدى كل موظف هامش معقول من المزاجية حتى لا يتحول إلى آلة أو ماكينة.

> كونك غير مصنف.. حاولت كل الأطراف إما استمالتك أو عداءك، كيف تصارع تلك الاتجاهات؟

– حتى أحافظ على امتياز”عدم التصنيف”يجب أن أحافظ على مسافة واحدة مع كل الأطياف، وهذا يعني أن أصارعها كلها من دون استثناء، أو ألا أصارعها كلها أيضاً.

كنت أعي أن مصارعة واحد من هذه التيارات سيستهلك وقتاً وجهداً وصدقية وأخلاقاً فكيف بـ”عدالة”مصارعتها كلها! ثم إن مجرد مبدأ الصراع والمصارعة لا يستهويني منذ طفولتي، لكني أبقيت فقط على شيء بسيط من الاستعداد للمصادمة مع من يريد أن يصادر حريتي أو يقولبني.

لكن حتى هذه المصادمة لها عندي حدود وضوابط تحميني من الوقوع في فخّ الهبوط مع الطرف الآخر، والمستعد للهبوط أصلاً!

> أي ذنوبك تلك التي تتأخر في الاستغفار منها؟

– أتأخر في الاستغفار من الذنب الذي أتردد في تصنيفه، هل هو ذنب أم لا؟ ثم ما ألبث أن أتذكّر عزة الله وجلاله وعظمته فأستغفره توقيراً وتقديساً وتنزيهاً، فأشعر بأن استغفاري صار تسبيحاً.

> وأي حماقاتك لا تلبث أن تكررها؟

– ارتكاب الذنوب، قبل الاستغفار وبعده.

> نفسك الأمّارة بالسوء.. متى تلجأ إليها؟

– عندما أريد ارتكاب ذنب غير مبرَّر.

> ونفسك اللوامة متى تكره حضورها إليك؟

– إذا قررت عقد صفقة مع نفسي الأمّارة!

مقصرون في حق أبي

> أبوك اسم في الخريطة السعودية.. ألا تشعر أنك وإخوتك مقصرون في تقديم هذا الرمز في الشكل الذي يليق به؟

– مقصّرون؟ لا شك مقصرون، أحياناً من باب النزاهة في عدم استغلال مواقعنا الصحافية والكتابية في” تلميع”أبي، كما سيفسره الناس.

وأحياناً أكثر بسبب الكسل والمماطلة. لكن لحسن الحظ أنه تم خلال هذين العامين إصدار أهم كتابين يمكن أن يصدرا عن أديب وشاعر كبير مثل أبي، الأول:”الأعمال الشعرية الكاملة لعبدالله بن إدريس”الذي صدر العام قبل الماضي وتشرفتُ بالإشراف على إصداره.

والثاني:”السيرة الذاتية.. قافية الحياة”الذي صدر وسيوزع في معرض الرياض للكتاب، و أشرف على إصداره شقيقي الأكبر إدريس الدريس.

وأرجو أن نستكمل مع بقية إخواني الأوفياء متابعة إصدار النتاج الثقافي لهذا الأب الرؤوم.

> غياب الأخوات لديك كيف استثمرته مع بناتك الأربع، وكيف حدد علاقتك مع الأنثى؟

– عشت النصف الأول من حياتي مع إخواني الأربعة، ثم عشت النصف الثاني منها مع بناتي الأربع!

ووجدت الفارق كبيراً بين”الخلطتين”في نوعية الأحاديث والحاجات والاهتمامات وردود الأفعال.

ليست المقارنة هنا في أيّ الفترتين أكثر انسجاماً أو سعادة، فكلاهما أعطاني نكهة مختلفة من السعادة. لكن المقارنة في كيفية إدارة الخلطتين.

أخشى أني أصبت بناتي وزوجتي أيضاً، بضرر أو حيف بسبب أني لم أتعرف على عالم المرأة إلاّ متأخراً، باعتبار أن أمي لم تكن امرأة.. بل كانت”أمي”!

> حفيدك الأول هل منحك شيئاً مغايراً عن الابن والابنة؟

– مهمات الوظيفة والزواج ثم إنجاب الأبناء، نصنّفها كلها بوصفها استكمالاً لدورة الحياة وبرنامج عملها مع البشر.

وحده الحفيد الذي تحس بأنه ربح إضافي فائض على رأس المال! حفيدتي الأولى”لمياء”منحتني حياة جديدة.

الزوج السلفي

> أيهما تفضل لابنتك زوجاً.. السلفي أم الليبرالي؟

– أفضّل لها الزوج”المسلم”الذي يوقّر السلف لكنه لا يزدري الخَلَف.

ما دام أنك أعدتني إلى ثنائية السلفي والليبرالي فسأعيدك إلى ما سبق أن قلته في حوار مع هذه الصحيفة في تاريخ 1-4-6002 عن ثنائيتي التي ارتضيتها لنفسي حين قلت:

“أما وقد اشتهيت التصنيف، فسأقول لك إنني إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير.. لأنني أؤمن بأن الإسلام”محتوى”فكري، والليبرالية”أداة”للتفكير”، وسأرتضي لبناتي الزوج الذي يوقّر السلف ولا يزدري الخلف.

> لو تقدم زياد الدريس لخطبة ابنتك.. هل ستوافق عليه؟

– سأسأل عنه أصدقاءه ومعارفه، وأظنني لن أقبل به بسرعة!

> السؤال الذي يتكرر.. ماذا بعد “يونيسكو”، هل ستعود للوظيفة الحكومية أم ستتخطفك الشياطين هنا وهناك؟

– لم أحسم أمري بعد.

لكن الذي آمله ألا أعود للعمل الحكومي ولا حتى الخاص، ولكن لن أسمح للشياطين أن تتخطفني.

هذا ما آمله بصدق، لكن يغير الله من حال إلى حال.

الأجندة الإيرانية مهدّدة… والليبرالية تعيش أزمة حقيقية

< يذكر الدكتور زياد الدريس”أننا نحن في زمن لم يعد الفوز فيه محصوراً على أجندة واحدة فقط، كما كان الحال في ما مضى.

وعلى رغم أن المقارنة بين الأجندتين الصينية و الإيرانية لا تستقيم في هذا الشكل، إلا أنه يمكن القول بأن الأزمة التي تعيشها إيران من داخلها تمنع التكهن بوجود أجندة إيرانية متكاملة ومهددة لمن حولها.

أما الأجندة الصينية فهي اقتصادية بامتياز، تهدف إلى إغراق الأسواق، لكنها لا تشكل تهديداً ثقافياً للهوية، على الأقل على المدى القريب، فهي تقدم للعالم منتجات استهلاكية مرغوبة ومطلوبة، لكنها تحظى في ذات الوقت بكراهية وازدراء من المستهلكين أنفسهم، على عكس المشاعر الإيجابية التي كانت مصاحبة للمنتجات الغربية”.

وحول الليبرالية ومايحدث لها فيرى ضيفنا أن الحديث عنها يطول، لكن يمكن القول باختصار:”أن الليبرالية تعيش أزمة حقيقية الآن، ليس فقط في العالم العربي أو الإسلامي بل في كل العوالم، والسبب يكمن في شكل أساسي في تزايد المدّ الديني وشغف الأجيال الجديدة باستعادة الهويات الصغرى بعد أن أضاعت العولمة ملامح الإنسان المتنوعة”.

ويضيف،”هذه المراجعات الروحية والوجدانية جعلت جيل الشباب الآن يبدو أكثر التصاقاً بالقبيلة والعائلة، ما يعني إعطاء الظهر لليبرالية التي قامت على أساس الحرية الفردية المطلقة، أي المفاصلة بين الفرد والأنماط الاجتماعية القديمة”.

مع”السلفية”… لا إكراه في الوطنية

> لو استقبلت من أمرك ما استدبرت.. هل ستكتب مقالتك عن السلفية؟

– يهيئ الله للكاتب أن يكتب في حياته عشرات أو مئات المقالات، لكن يبقى يتذكر ويذكّره الآخرون بمقالة أو اثنتين أو ثلاث منها من بين كل ما كُتب. أقول هذا لأخبرك بأن عندي حتى الآن مقالتين طوال 30 عاماً من الكتابة، أبقى فخوراً بهما وبانتظار المقالة الثالثة الأثيرة التي ستأتي بإذن الله خلال الأعوام المقبلة! أما المقالتان الأثيرتان لديّ فهما، مقالة:”أردت السلام على النبي ولم أرفض السلام على الأمير”ومقالة:”السلفية.. هل هذا وقتها؟”.

وقد أثبتُّ هاتين المقالتين في كتابي الذي سيصدر في معرض الرياض للكتاب هذا الأسبوع بعنوان:”لا إكراه في… الوطنية”أوَ تسألني بــعد ذلك إن كنتُ نادماً على كتابة مقــالة”السلفية”؟ وبالمناسبة، فأنا أتعــمد كما تــرى أن أضع”السلفية”بين قوسين حتى أذكّر الناس عن أي سلفية كنت أتحدث.

الوفد السعودي الأكثر حيوية. “يونيسكو” وتصاعد الدور العربي في نادي الدول الأكثر نفوذاً

صحيفة الحياة

الأربعاء, 18 1 2013

كمال غريب

تدخل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة”يونيسكو”هذا العام في السنة الحرجة، التي تجعلها عرضة لاهتمام الرأي العام العالمي، بحيث تسلط وسائل الإعلام في العالم أجمع الأضواء على عمل هذه المنظمة المتخصصة في منظومة الأمم المتحدة وأهميتها وعملها في تحقيق الأهداف المرجوة منها. وذلك أن المديرة العامة لليونيسكو إيرينا بوكوفا تشرف على نهاية ولايتها الأولى هذا العام. وستشهد المنظمة في أواخر العام الحالي معركة انتخابية، من المتوقع أن يعاد فيها انتخاب البلغارية بوكوفا لولاية ثانية، على الرغم من صعوبة ذلك.

وكما يقول ديبلوماسي عارف بشؤون المنظمة، فإن”إيرينا بوكوفا هي المرشح الأقوى، فقد اعتادت الدول الأعضاء على أن تعطي فرصة ثانية للمدير العام أياً يكن بانتخابه لولاية ثانية”. ويتابع الديبلوماسي شارحاً رأيه بأن الصعوبات المالية التي تواجه اليونيسكو اليوم والناجمة عن تجميد الولايات المتحدة مشاركتها المالية بعد قبول فلسطين كدولة عضو، لا تُحَلّ بتغيير المدير العام أو عدم تغييره، لأن ذلك يتجاوز الشخص ليصل إلى هيكلية العمل نفسه داخل المنظمة.

على هذا الصعيد، لا بد من الانتباه إلى دور الدول الأعضاء، لا سيما الدول المؤثرة أو الدول الأكثر تأثيراً،”والتي لا يتجاوز عددها عشر دول”، كما يلفت الديبلوماسي العريق. وفي طليعة هذه الدول تأتي، وعلى الرغم من كل شيء، الولايات المتحدة الأميركية، فإن واشنطن وإن جمدت مساهمتها المالية تبقى”دولة قائدة”ليس فقط بالنسبة إلى”المجموعة الأولى”الدول الغربية فحسب، بل أيضاً بالنسبة إلى الأسرة الدولية بالكامل، بفضل تأثيرها في مختلف القضايا. ثم يأتي دور فرنسا باعتبارها دولة المقر، وهذا ما يعطيها دوراً تاريخياً شرعياً. وجاء اختيار السفير دانيال روندو الأديب والكاتب مؤخراً مندوباً دائماً لفرنسا لدى اليونيسكو، ليعزز من دينامية الدور الفرنسي.

وبين دول أميركا اللاتينية، ظهر دور البرازيل كأحد عمالقة العالم الثالث، منذ انتخاب لولا داسيلفا على رأس البرازيل، إذ بدأت تعمل على تأكيد هذا الحضور وعنايته وبلورته. وهذا ما تستمر في العمل عليه الرئيسة الحالية دلما روسيف، ويظهر تأثيره المتصاعد في اليونيسكو.

من ناحية مجموعة الدول العربية، يلاحظ الديبلوماسي المراقب الدورَ الذي اضطلعت به مؤخراً المملكة العربية السعودية كدولة مؤثرة داخل المنظمة، وفي مختلف دوائرها، لا سيما في المجلس التنفيذي والمؤتمر العام، فقد كان للمملكة تأثيرها الكبير في الكثير من القرارات وتعبئة الجهود لصيانة وحدة المنظمة وعملها في مجالات اختصاصها، أي التربية والثقافة والعلم والاتصال. وعلى الرغم من أن السعودية دولة مؤسسة للمنظمة منذ العام 1946، فإنها دخلت نادي”الدول العشر”في السنوات الخمس الماضية، حيث دخلت المجلس التنفيذي، وساهمت في صناعة أكبر القرارات، وفي طليعتها قرار انتخاب فلسطين عضواً كامل العضوية في اليونيسكو. وجاءت هذه الدينامية الجديدة للمملكة في اليونيسكو بفضل جهاز جديد للوفد الدائم يرأسه زياد الدريس، الكاتب والباحث، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس المجلس التنفيذي لليونيسكو. ويلاحظ أن الدور السعودي تبلور ليس بشكل وطني خاص بالسعودية، بل إنه جاء جامعاً وموحداً للموقف العربي العامي ومدافعاً عنه.

الدول العربية الأخرى كان لها نفوذها بصعود وهبوط، وفق ظروف كل منها، إذ استطاعت سلطنة عمان أن تلعب هذا الدور في فترة ما، وكذلك المغرب والجزائر واليمن ولبنان والأردن وغيرها، علماً أن مصر كانت دائماً صاحبة دور مؤثر. لكن هذا الدور أخذ بالتراجع والترهل في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق حسني مبارك… ولكن يبقى لمصر حجم تفرضه الجغرافيا السياسية على الرغم من الظروف.

وللدول العربية اليوم فرصة ترؤس المجلس التنفيذي للمنظمة، لأن الدور بات عند المجموعة العربية، وهناك اتفاق بالرأي بين الدول ومختلف المجموعات على هذا الأمر. ويرى الديبلوماسي العارف أن دولتين اثنتين ينظر إليهما في اليونيسكو لترؤّس إحداهما المجلس التنفيذي: السعودية أو مصر، فإذا ترأست السعودية المجلس التنفيذي في الولاية المقبلة فهذا أمر يعزز دورها كدولة رائدة بين الدول العشر في اليونيسكو. أما إذا نجحت مصر، فإن هذا الأمر من شأنه أن يساعدها على استعادة”دور ضائع”ويعيد إدخالها إلى”نادي العشر”…

نادي الدول العشر هذا، من شأنه أن يلعب الدور الأكبر في مستقبل المنظمة، بحيث تعود لتؤدي مهمتها الأساسية في منظومة الأمم المتحدة”كطفل مدلل”في قضايا العلم والفكر والثقافة، لا”كالرجل المريض”في قضايا السياسة.

منظمة الـ “يونيسكو” تشرع أبوابها أمام لغة الضاد والملحقية السعودية تقيم ندوات . يوم باريسي طويل يحتفي عالميا باللغة العربية ويبرز ما تواجه من تحديات

صحيفة الحياة

الأربعاء,  23 ديسمبر 2012

عبده وازن

“اليوم العالمي للغة العربية”أصبح موعداً سنوياً تحتفل به منظمة اليونيسكو الدولية في الثامن عشر من كانون الأول ديسمبر من كل سنة، وباتت العربية هي اللغة السادسة التي يحتفى بها عالمياً بعد: الفرنسية والإنكليزية والروسية والإسبانية والصينية. وشاءت اليونيسكو والمندوبيتان السعودية والمغربية اللتان يعود إليهما الفضل في إحياء هذا اليوم، أن تحتفل بالحدث برصانة ورقيّ إضافة إلى الطابع الفني والشعبي.

وبعد حفلة الافتتاح التي شاركت فيها إرينا بوكوفا المدير العام لليونيسكو، توزع الاحتفال على أربع جلسات. الأولى ندوة بعنوان”علاقة اللغة العربية باللغات الأخرى”وشارك فيها باحثون وأساتذة جامعيون وكتّاب عرب وأجانب: علي آزار شاب أكاديمي إيراني، فرج معتوق أكاديمي تونسي، كريستيان لوشون مستشرق فرنسي، محمد خضر عريف أكاديمي سعودي، نفلا خروصي أكاديمية عمانية.

الندوة الثانية عنوانها”آلية دعم اللغة العربية ونشرها”وشارك فيها أحمد الدبابي أكاديمي تونسي – باريس، خديجة زموري اليونيسكو، الدكتور عبدالله الوشمي السعودية، عبده وازن لبنان. وتضمن اليوم الاحتفالي أمسية شعرية شارك فيها الشاعر التونسي الطاهر بكري والشاعر السوداني خالد فتح الرحمن عمر والشاعر اللبناني صلاح ستيتية قرئت قصيدته في غيابه بسبب مرضي وزياد الدريس الكاتب السعودي سفير السعودية لدى اليونيسكو.

< لعل هذا اليوم، اليوم العالمي للغة العربية، هو مناسبة فريدة لنا، نحن العرب، لنحتفي بـ”لغتنا ? الأم”، ونطرق بابها ونسألها أو نسائلها لا عن ظروفها بل عن ظروفنا نحن، عن حبنا لها وعن خيانتنا إياها، ولندرك أين أصبحت حيال صعود”لغات”العولمة وماذا يعتريها من شجون وأية أزمات تعاني!

ترتفع، حيناً تلو آخر، أصوات عربية تبدو كأنها تقرع جرس الإنذار إزاء لغة الضاد، داعية إلى تطويرها وجعلها لغة الحياة وتحريرها من أسر المعاجم وكسر جمودها، صرفاً ونحواً… وترتفع أصوات أخرى أيضاً داعية إلى إنقاذ اللغة العربية من الأخطاء الفادحة التي يرتكبها كثرٌ من أهل هذه اللغة في الحياة اليومية، وذريعة هذه الدعوة أن أهل العربية ما عادوا يعرفون لغتهم وأضحوا غرباء عنها.

ليس ممكناً تجاهل حال التطور التي تشهدها لغتنا العربية منذ عقود. لغة الصحافة والإعلام تختلف كثيراً عن لغة المعاجم والكتب التراثية. تطورت العربية وحدها طبيعياً ومن دون جهد، تطورت مثل الحياة نفسها، خالقة مفردات جديدة ومصطلحات لا تعرفها القواميس ولا مراجع مجامع اللغة العربية، وبات القارئ الحديث يحتاج إلى مَن يفسّر له لغة القدماء، إن افترضنا أنه استطاع أن يقرأها. أما”احتضار”العربية، كلغة أدبية أو شعرية، الذي ينبه إليه دوماً بعض النقاد، فهو لا يعني احتضار اللغة في المفهوم الصرفي ? النحوي، بل في استخدامها كلغة تعبير.

أما تطوير اللغة أو تحديثها فلا يعني البتة التخلي عن قواعدها. فما من لغة بلا قواعد، حتى اللغة العامية نفسها تملك قواعدها المضمرة. لكنّ المطلوب تحديث هذه القواعد لتتلاءم مع العصر ومع الأجيال الشابة خصوصاً. والسؤال المطروح هو: لماذا لا يسعى النحاة العرب إلى التخفف من القواعد التي لم تبقَ العربية الحديثة في حاجة إليها، كما يفعل الإنكليز والفرنسيون والإسبان…؟ هذا السؤال قد يكون معنياً به التلامذة والطلاب العرب، لا سيما عندما يخوضون عالم”الصرف والنحو”، ويواجهون”وعورته”والصعوبات الجمة التي تعترضهم. وليت المجامع العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الكسو تلتفت فعلاً إلى الأجيال الجديدة وإلى المعاناة التي تكابدها في تعلم قواعد العربية، فتكون على بينة من طبيعة الأزمة التي تواجه لغتنا والتي قد ينعكس تفاقمها سلباً على اللغة نفسها أولاً ثم على الأجيال المتتالية.

ومن ناحية أخرى نلاحظ أنّ الاستخدام اليومي للغة العربية يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ولا يبدو أن في الأفق حلاً لهذه المشكلة المستعصية. فقدت اللغة رهبتها وباتت عرضة للانتهاك المفضوح في معظم المرافق العامة، في الإذاعة كما على الشاشات الصغيرة، في الندوات والمؤتمرات، ناهيك عن الأخطاء الفادحة التي ترتكب في الخطب السياسية وغير السياسية التي تبثها الفضائيات. وقد لا تفاجأ إذا تلقيت بيانات وجدتها حافلة بالأخطاء، كل أنواع الأخطاء، وكأن كاتبيها أو محرريها لا علاقة لهم بلغتهم.

التنوع الثقافي واللغوي

وتحدث سفير السعودية لدى اليونيسكو زياد بن عبدالله الدريس عن هذا اليوم قائلا إنّ الأمم المتحدة أصدرت قرار الأيام الدولية للغات الست بتوصية من منظمة اليونيسكو رغبة في تحفيز الشعوب على التعرف بدرجة أكثر إلى هذه اللغات وتسهيل التواصل معها. وأتت هذه الخطوة كما أضاف، ضمن خطوات مشتها اليونيسكو خلال السنوات القليلة الماضية لتعزيز حلقة الوصل بين التقارب اللغوي والتقارب الثقافي. وقد شُغلت الدول الأعضاء في المنظمة خلال السنوات العشر الماضية باستصدار اتفاقين يعدّان اليوم من أكثر الاتفاقات التي تحظى بالاهتمام والرعاية في اليونيسكو وهما”اتفاق التنوع اللغوي”و”اتفاق التنوع الثقافي”إيماناً من اليونيسكو وأهلها بأن التنوع اللغوي يمكن أن يساهم بفعالية في إثراء التنوع الثقافي وتعزيزه، الذي يمثل الآن موجة لدى حكماء العالم لمواجهة شبح التطرف والتعصب والعنف.

ورأى الدريس أن احتكار لغة واحدة للتواصل بين الشعوب لا يكفي ولا يجدي،”إلا إذا كنا نرنو إلى التواصل النخبوي فقط، الذي أثبت عبر السنين القليلة الماضية قلّة جدواه وفعاليته في تخفيف الاحتقان في هذا العالم. لذا، فنحن نحتفل اليوم باليوم العالمي للغة العربية، ونأمل بأن نحتفل في بقية أيام العام ببقية اللغات الدولية الست، إيماناً منا بأن اللغة والهوية توأمان، وأن اللغات هي مسار أساسي وفذ لتفكيك الهويات المتوترة التي وصفها أمين معلوف بالهويات القاتلة. لا شك في أن كثيراً من الفروق بين الهويات البناءة والهويات الهدامة يكمن في اللغة المفخخة”.

نحتفل هذا العام باليوم العالمي للغة العربية بصورة استثنائية من خلال دعم برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في منظمة اليونيسكو، البرنامج الذي أحدث تأسيسه في عام 2007 منعطفاً في مكانة اللغة العربية داخل المنظمة بين اللغات الأخرى.

أما ديمومة الاحتفال بهذا اليوم في الأعوام المقبلة بإذن الله وكيفية تفعيله ونظم البرامج فيه فهذه مهمتنا جميعاً، مهمة الدول العربية من خلال مندوبياتها الدائمة في المنظمة ومن خلال مؤسساتها الحكومية والأهلية المعنية بالثقافة والتعليم والإعلام في الدول العربية. ونحن يجب أن نستفيد من الخبرة الفرنكوفونية التي سبقتنا بسنين في احتفالها يوم 20 آذار مارس باللغة الفرنسية، وسيكون من المفيد هنا إيكال هذه المهمة الاستقصائية إلى المثقفين والإعلاميين العرب في الدول العربية الفرنكوفونية خصوصاً.

وأظننا في اجتماعنا الشهري للمجموعة العربية في المنظمة الذي سيُعقد بإذن الله في غضون الأسبوع المقبل، سنقوّم الاحتفالية الأولى ثم سننطلق، أو هكذا أتمنى، في بلورة أفكار لآلية مستدامة للاحتفال بالأعوام المقبلة بإذن الله. من ضمن الأفكار التي أنوي طرحها على المجموعة أن يتم تخصيص موضوع أو إشكالية لاحتفالية كل عام، حتى يساعد هذا على الخروج باليوم العالمي للغة العربية من ضجيج الاحتفالية إلى هدوء المعالجات والتطوير، أي في الجمع بين الاحتفال والاحتفاء بلغتنا العربية. شكراً لكل من وقف خلف توليد هذا اليوم العالمي وآزره بالجهد والدعم والفكر والحماسة.

احتفال الملحقية السعودية

أما الملحقية الثقافية السعودية في فرنسا فشاءت أن تفتتح موسمها الثقافي الجديد عشية انصرام عام 2012 وبداية عام 2013 بالاحتفاء بهذا اليوم العالمي للغة العربية برعاية وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري. وقد افتتحه سفير السعودية في فرنسا الدكتور محمد بن إسماعيل آل الشيخ وأعقبه الملحق الثقافي في فرنسا الدكتور إبراهيم بن يوسف البلوي متحدثاً عن معنى هذا اليوم والأبعاد التي يجب توخيها من خلاله صوناً للغة العربية والحفاظ عليها في زمن العولمة. وشاء البلوي الابتعاد عن الاحتفال الصاخب باللغة العربية فدعا مجموعة من أهل الاختصاص، عرباً وأجانب ليتحدثوا عن اللغة والثقافة العربيتين، ضمن جلستين صباحاً وبعد الظهر على التوالي، واشتمل البرنامج محاضرات ومائدة مستديرة.

وافتتحت الجلسة الأولى تحت عنوان”حوار الحضارات”بكلمة ترحيبية ألقاها السفير السعودي، وأفاد فيها بأن هذا اللقاء العلمي والثقافي يتزامن، في بداية الموسم الثقافي الجديد، مع حدث تاريخي هو اليوم العالمي للغة العربية، وأبرز أهمية اللغة العربية كلغة عمل رسمية في الأمم المتحدة وناقل ثقافي وحضاري، وأثنى على مبادرة الملحقية النابعة عن جهود الوزير والملحق الثقافي، وأشاد بدور موظفي الملحقية في بناء أسس الحوار الناتج عن التفاعل والتواصل المعرفي بين المؤسسات العلمية السعودية والفرنسية.

وتضمنت الكلمة أيضاً تنويهاً بأنشطة الموسم وبرنامجه مع التركيز على أهمية مثل هذه اللقاءات في التواصل مع فرنسا التي طالما كانت ولا تزال دولة رائدة في مجال التعليم بمؤسساتها التعليمية المتميزة ومدارسها الكبرى. وأفاد في اختتام كلمته بأن المملكة أقامت علاقات تعاون مع هذه الجامعات، انطلاقاً من الاهتمام الذي توليه للتعليم منذ عشرات العقود، وتوطيداً للعلم والحوار الذي ينادي به خادم الحرمين الشريفين، والذي يحمل قيم التسامح ويساهم في الرقي الحضاري.

ثم ألقى الملحق الثقافي السعودي في فرنسا كلمة رحب فيها بالمشاركين وأشار إلى تزامن اليوم العالمي للغة العربية مع افتتاح الموسم، ووجه شكراً خاصاً لوزير التعليم العالي على الدعم الذي يقدمه، وأيضاً للسفير وللبروفيسور جاك كورتيس، الأستاذ في جامعة روان، الذي ألقى محاضرة بعنوان:”حوار الحضارات”، وأشار فيها إلى صعوبة الكلام عن هذا الموضوع الذي كثر الحديث عنه، ما أدى إلى استنفاده وصعوبة إيراد ما هو جديد فيه. وفي رأيه أن الحوار ينطوي على المواجهة بين آراء مختلفة، ما يولد الاستفزاز أو يدفع لاستخدام لغة المواربة، وهذا يثير التساؤل عن إمكان قيام مثل هذا الحوار، فضلاً عن أن عبارة”حوار الثقافات”تنطوي على استعارة مجازية تأتي بمعنى مجرد نجد فيه أن الحوار لا يتم بين الأشخاص وإنما بين الثقافات. وأبرز المحاضر أيضاً الاحترام الواجب نحو الثقافة التي ندين لها بهويتنا وكياننا الناتج عن الانتماء للجماعة أو العائلة، ويمكن أن يشمل معنى هاتين الكلمتين، الفئة أو الدين أو المهنة أو النادي أو الحي في المدينة.

وانتقل المحاضر لدراسة الأصل اللغوي لكلمة”ثقافة”والكلمات المشتقة من جذورها اللغوية مثل كلمة”زراعة”، وبيَّن البروفيسور كورتيس أن هذه الكلمات تدل على معنى الغذاء سواء كان ذلك للجسم، كما هي حال الزراعة، أو للروح التي تغذيها الثقافة، وفضلاً عن ذلك تدل الكلمة باللغة اللاتينية على العبادة وتعود بنا إلى مقدسات الحياة الروحية والدينية والبيولوجية. وأستشهد في ذلك بما كتبه المفكر الروماني سيشيرون عام 44 قبل الميلاد، وأفاد أيضاً بأن كلمة ثقافة تنطوي على معانٍ حساسة قد يؤدي تناولها إلى نتائج متناقضة، لذا فإن الثقافة هي مفهوم معقد له وجهان، شأنه في ذلك شأن الإله الإغريقي جانوس، الوجه الأول مشَرِّف، لأنه يعود بنا للإبداع الفني والأدبي والحضاري، فهو فخر للإنسانية جمعاء، مهما كان انتماء المبدع، أما الوجه الآخر الذي لا تسلم منه أغنى الثقافات، فهو يكمن في التعصب الثقافي واحتقار ثقافات الغير من باب الغرور والكبرياء، وهذا الوجه ليس مدعاة للفخر، بل يجعلنا نخجل من الانتماء إلى الإنسانية لأنه يؤدي إلى حروب الإبادة التي تشن باسم الوطنية والاستعلاء الثقافي. وتساءل المحاضر هنا عن إمكان الحديث عن حوار الثقافات في مثل هذه الظروف.

وفي ندوة ما بعد الظهر دار الحديث حول اللغة العربية وشارك فيها باحثون وأساتذة جامعيون فرنسيون وعرب وأدارها الملحق الثقافي إبراهيم البلوي، وهم: برونو لو فالوا معهد العالم العربي، الدكتور عبدالله الوشمي مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز لخدمة اللغة العربية – الرياض، أدريان ليتيس جامعة السوربون، إريك جوفروا جامعة ستراسبورغ، إريك فاليه جامعة السوربون، الدكتورة حنان عنقاوي منظمة اليونسكو – باريس، الدكتور خالد كرونة جامعة تونس، الكاتب عبدالله الغانم السفارة السعودية، الدكتور فؤاد العروسي جامعة روان، لوك دو فالس المعهد الوطني للغات الثقافات الشرقية، الدكتور محمد الجويلي جامعة منوبة. وجرى في اختتام المداخلات حوار مفتوح شارك فيه الحاضرون متحدثين عن اللغة العربية والتحديات التي تواجهها سواء في العالم العربي أم في المعاهد العالمية التي تدرّسها.

كلمة إرينا بوكوفا

< تشارك اللغات في تكوين جمال العالم لأن كل لغة تثري الأشياء من خلال إطلاق الأسماء عليها. وليست لغاتنا أدوات للتواصل فحسب، بل إنها تحمل القيم والهويات. ويمثل التنوع اللغوي توسيعاً لآفاق الفكر ووسيلة لبناء حوار بين الثقافات والأديان يقوم على التفاهم الحقيقي.

ويمثل اليوم العالمي للغة العربية مناسبة للاحتفال بلغة 22 دولة من الدول الأعضاء في اليونيسكو، التي ينطق بها أكثر من 422 مليون إنسان في العالم العربي والتي يستخدمها أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم.

يتيح الاحتفال باللغة العربية إبراز ما قدمه كتّاب هذه اللغة وعلماؤها وفنانوها من مساهمة في الثقافة العالمية. فالمؤلفون الذين كانوا يكتبون باللغة العربية هم الذين أتاحوا نقل المعارف الإغريقية إلى اللغة اللاتينية التي كانت مستخدمة في الغرب خلال القرون الوسطى، وأقاموا بذلك صلات دائمة لا يمكن قطعها بين الثقافات عبر الزمان.

وتندرج مؤلفات ابن رشد وابن خلدون ونجيب محفوظ في عداد أعمق مؤلفات العقل البشري، وهي لا تعبر عن كل قوتها إلا باللغة العربية. وهذا الحب للغة والافتتان بها، اللذان يتجليان مثلاً في فن الخط وفي الشعر، بما لهما من مكانة مرموقة في الثقافة العربية، يشكلان البوتقة التي تنشأ منها أعظم الحضارات.