اليقظة اللغوية

الكلام الأخير – د.زياد الدريس

نفتتح بالقول إن الجهود السعودية في خدمة اللغة العربية لم تبدأ منذ عشر أو عشرين سنة، كما قد يتصور البعض. بل بدأت فعلياً منذ يوم 23 سبتمبر 1932م (1351هـ) الذي اعتمد فيه الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله اسم المملكة العربية السعودية اسماً لهذه الدولة الحديثة. 
لم تكن إضافة (العربية) إلى اسم الدولة فعلاً عشوائياً أو حشوياً، بل كان ترميزاً واضحاً إلى أن هذه الدولة التي تقوم على أرض (جزيرة العرب) منبت العروبة ومولد المعلقات ومهبط الوحي الكريم، ستكون امتداداً لهذه الأرومة العروبية العتيقة، لكن ضمن هوية دولة حديثة تجيد الجمع والتناسق بين العراقة والحداثة. واللغة العربية هي العمود الفقري لهذا التكوين المتمازج.

مرّت عقود (العولمة)، رغم الأشياء العديدة المحببة فيها، قاسيةً على اللغة العربية ومحبيها. حيث طغت اللغة الانجليزية وهيمنت، ولم يفطن كثيرون إلى خطورة ما يجري من تهميش وازدراء للغة العربية. حتى بدأت تتبلور في مطالع الألفية الجديدة ملامح ما يمكن تسميته باليقظة اللغوية.
يمكن تأريخ بدء هذه اليقظة بالعام 2006م عندما زار الأمير سلطان بن عبد العزيز مدينة باريس، واقترح إليه المندوب الدائم للسعودية لدى اليونسكو آنذاك إنشاء برنامج لدعم اللغة العربية في اليونسكو، وقد استجاب الأمير النبيل بكل أريحية كعادته يرحمه الله وتبرع لإنشاء (برنامج سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في اليونسكو) بما مجموعه 8 ملايين دولار.
ثم تعززت هذه اليقظة اللغوية بقوة عندما تأسس (مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للغة العربية) في العام 2008م بمدينة الرياض، وقام المركز بجهود محلية ودولية كبيرة في المجال نفسه.
وفي العام 2012 شكّل تأسيس (احتفالية اليوم العالمي للغة العربية) في أروقة اليونسكو، بمبادرة سعودية أيضاً، منعطفاً كبيراً في هذه اليقظة اللغوية، بحيث تجاوزت المبادرات المحلية والإقليمية إلى صنع منصة دولية يتداول فيها المهتمون كل عام شؤون وشجون اللغة العربية.
حتى جاء عام 2020م حيث تأسس (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) ليكون جداراً سميكاً تستند عليه العديد من المبادرات والبرامج التي تُصنع هنا وهناك لخدمة اللغة العربية.
وقد أصبح المجمع الآن الباب العالي لخدمة اللغة العربية في منظمات ودول عديدة، في سبيل اعتلاء اللغة العربية مكانتها التي تليق بها وبأهلها.
ومن الإنصاف القول بأن دولاً أخرى، خليجية وعربية، قد أسهمت في تعزيز هذه اليقظة اللغوية عبر مبادرات ومؤسسات وجوائز انطلقت في تلك الدول الشقيقة ونالت حظاً وافراً من النجاح والفعالية. بل ومن المفارقات المبهجة أن إسهامات في هذه اليقظة اللغوية قد جرت في دول غير عربية، وكان وقع تأثيرها على العرب لا يقل عن أثرها على محبي العربية من غير العرب.

لم تعد مناسبة (اليوم العالمي للغة العربية)، التي أكملت 10 سنوات من عمرها وتبدأ هذا العام عشريتها الثانية، مجرد احتفالية سنوية تغصّ بالمدائح أو البكائيات وأهازيج الأبيات المكرورة. بل أصبحت تشكّل التفاتة حقيقية لهويتنا اللغوية، ومساءلة عما عملته المؤسسات الحكومية والأهلية لإعزاز هذه الهوية … أو لإذلالها بتفضيل اللغات الأجنبية عليها!؟
اللغة العربية، التي لا تموت، تقترب من نهوضها المنتظر، رغم كثرة الطعنات التي تباغتها.